العدوان الوحشى الذي تشنه اسرائيل على الشعب الفلسطيني له جوانبه الاقتصادية التي لا تقل خطورة عن جوانبه السياسية والعسكرية. وتشير كل الشواهد بوضوح تام الى أن التدمير المنهجي الشامل لكل مرافق الحياة وأدوات النشاط الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية، قد أصبح يحتل موقعا مركزيا بين أهم أهداف العدوان الصهيوني على شعب فلسطين منذ بدء انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000. واذا كان الاجتياح العسكري، واغتيال قيادات ونشطاء الانتفاضة، وقتل المدنيين بمن فيهم الشيوخ والأطفال والنساء، وحصار وقصف مقرات السلطة الوطنية، والاعتقالات الواسعة، وغيرها من مظاهر القمع الوحشى والضغوط السياسية العنيفة تتصدر نشرات الاخبار وعناوين الصحف، فان التدمير الشامل للاقتصاد الفلسطيني يمثل جريمة صهيونية لا تقل نتائجها خطورة على حاضر ومستقبل شعب فلسطين وقضيته. فشمول هذا التدمير لكل مقومات النشاط الاقتصادي يشير بجلاء الى أن الهدف من ورائه هو قطع موارد العيش عن أبناء الشعب الفلسطيني، وجعل حياتهم على أرض وطنهم جحيما لا يطاق، بحيث لا يبقى أمام أعداد متزايدة منهم سبيلا الا الرحيل عن الوطن.. وبحيث لا يبقى منهم في وطنهم بمرور الوقت الا أقلية مسحوقة تقوم بدور العمالة الرخيصة في مشروعات الاقتصاد الاسرائيلي، وخادمة في أعمالها الأقل احتياجا للمهارة الفنية، وتمثل سوقا مضمونة للسلع الاسرائيلية. بينما ينفتح المجال واسعا لجلب مزيد من المهاجرين اليهود للاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا هو الملمح الأساسي للمشروع الصهيوني القديم المعروف باسم «الترانسفير» أو الترحيل الجماعي للفلسطينيين. وتكفي الاشارة الى أن خسائر الاقتصاد الفلسطيني منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر عام 2000 حتى نهاية مارس الماضي تبلغ قرابة التسعة مليارات دولار (89 مليارات دولار تحديدا) وفقا لتقديرات وزارة المالية الفلسطينية. أي ما يعادل نحو خمسمئة مليون دولار شهريا.. وبالتالي فان هذه الخسائر من المتوقع أن تكون قد تجاوزت العشرة مليارات (10مليارات دولار) بحلول أواخر يونيو، وينبغي أن نضع في اعتبارنا أن الشهور الثلاثة الأخيرة (من أواخر مارس الى أواخر يونيو) قد شهدت عملية الاجتياح الشاملة للضفة الغربية وتصعيد العدوان على قطاع غزة واتسع نطاق التدمير خلال هذه الشهور بالذات بصورة غير مسبوقة، بما يترتب عليه من آثار اجتماعية وانسانية بالغة القسوة. وهكذا فان خسائر الاقتصاد الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة قبل 21 شهرا، تتجاوز قيمة الناتج المحلي الاجمالي الفلسطيني في عامين كاملين. وكان ذلك الناتج المحلي الاجمالي قد بلغ نحو خمسة مليارات دولار (4950 مليون دولار عام 1999) وكان متوقعا أن يبلغ خمسة مليارات ومئتين وخمسين مليونا، (5250 مليون دولار عام 2000) وهو ما لم يتحقق بالطبع. بل على العكس تدهور الانتاج بشدة بسبب العمليات العسكرية الاسرائيلية وما يرافقها من تدمير واسع النطاق للمنشآت والمشروعات الاقتصادية من جهة، والشلل الذي يعانيه النشاط الاقتصادي من جهة أخرى نتيجة للحصار الخانق للضفة والقطاع وسياسة اغلاق المناطق الفلسطينية التي تنتهجها حكومة العدو. خسائر فادحة الحرب الهمجية التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني لم يفلت من آثارها المدمرة أي قطاع من قطاعات الاقتصاد الفلسطيني الانتاجية أو الخدمية على السواء وعادت بالاقتصاد سنوات طويلة الى الوراء. وتشير التقارير الرسمية الفلسطينية الى أن خسائر قطاع الصناعة حتى نهاية مارس من العام الجاري قد بلغت أكثر من تسعمئة وثلاثة وأربعين مليون دولار. وتم تدمير (45) مصنعا في كل من الضفة والقطاع. كما تعطلت أغلب المنشآت الصناعية الباقية نتيجة منع اسرائيل دخول المواد الخام الضرورية للصناعة الفلسطينية، فضلا عن القيود الشديدة على حركة العاملين، والانقطاع المستمر للطاقة الكهربائية. ورغم عدم وجود أرقام عن خسائر الصناعة الفلسطينية خلال الشهور الثلاثة الأخيرة (أبريل ـ يونيو) فالمؤكد أن هذه الخسائر قد تزايدت بصورة كبيرة نتيجة للاجتياح الاسرائيلي الشامل للضفة الغربية. وعلى سبيل المثال فقط فان اجتياح نابلس، كبرى مدن الضفة، خلال شهر أبريل قد أسفر عن تدمير متعمد لأغلب معاصر الزيتون ومصانع الصابون، فضلا عن منشآت صناعية أخرى زعمت اسرائيل أنها تحولت الى مشاغل لصناعة مدافع الهاون وأجزاء صواريخ « قسام» وأعداد «الأحزمة النارية». وبلغت خسائر القطاع الزراعي حتى نهاية مارس أكثر من خمسمئة وخمسين مليون دولار. كما تعرض قطاع المشروعات الاستراتيجية للسلطة الفلسطينية كمشروع ميناء غزة ومطارها، ومحطة توليد الطاقة الكهربائية ،ومشروع انشاء طريق نابلس ـ جنين، ومشروعات المطاحن، والصرف الصحي، ومعالجة النفايات الصلبة وغيرها لخسائر ضخمة تقدر بنحو أربعمئة وخمسين مليون دولار. أما قطاع البناء والانشاءات فقد بلغت خسائره حتى نهاية شهر مارس الماضي نحو خمسمئة وسبعين مليون دولار. وقد شهد هذا القطاع تعطلا شبه كامل خلال الفترة الماضية لاعتماده بصورة أساسية على استيراد مواد البناء كالحديد والأسمنت والأخشاب التي تمنع السلطات الاسرائيلية دخولها الى المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية الأمر الذي أدى الى توقف العمل في بناء مئات المشروعات الانتاجية السكنية. ولا يشمل الرقم المذكور خسائر قطاع البناء والانشاءات في الفترة القليلة لشهر مارس كما أن الرقم لا يشمل التكلفة الضرورية لاعادة بناء آلاف البيوت والمساكن التي دمرتها قوات الاحتلال منذ بدء الانتفاضة وفي مقدمتها بيوت نشطاء الانتفاضة ومنفذي العمليات العسكرية والاستشهادية التي كثيرا ما نسفتها قوات الاحتلال. كما لحق الدمار بالجزء الأكبر من مخيم جنين والحي القديم بمدينة نابلس. وتعرض قطاع التجارة لخسائر بلغت أكثر من ستمئة وسبعة وعشرين مليون دولار حتى نهاية مارس الماضي بسبب منع قوات الاحتلال دخول معظم الواردات، ومنعها لخروج الصادرات من المناطق الفلسطينية، فضلا عن الشلل شبه الكامل للتجارة الداخلية نتيجة لحالة الحصار والاغلاق المفروضة على هذه المناطق بصورة مستمرة، وحظر التجول في المدن والقرى الفلسطينية لفترات طويلة وتتعرض للتلف كميات كبيرة من البضائع الصادرة والواردة،وخاصة السلع الغذائية ، بسبب عدم توافر ظروف مناسبة للتخزين في الموانئ ومنافذ التصدير والاستيراد الاسرائيلية، أما النتيجة الأخطر لهذا الشلل الذي تفرضه اسرائيل على التجارة الداخلية للمناطق الفلسطينية فهي النقص الخطير في عديد من السلع الأساسية وفي مقدمتها المواد الغذائية وحليب الأطفال وغيرها من السلع الضرورية. وتعرض قطاع السياحة لخسائر فادحة نتيجة تعطل الحركة السياحية لموسمين كاملين ،وخاصة السياحة الدينية المسيحية (موسم الحج المسيحي ورأس السنة الميلادية) وزيارات الفلسطينيين المغتربين وعلاوة على الشلل الكامل للسياحة بسبب الحصار والعمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الاحتلال، فان هذه القوات قد ألحقت دمارا شاملا أو جزئيا بكثير من المنشآت السياحية في الضفة والقطاع. وكان من أخطر الآثار السلبية لذلك كله هروب الاستثمارات الأجنبية والمحلية على نطاق واسع من قطاع السياحة، الذي سيحتاج الى سنوات طويلة لتعويض خسائره الضخمة. وبديهي أن هروب الاستثمارات لم يقتصر على قطاع السياحة، وانما شمل مختلف القطاعات، وتقدر السلطة الوطنية الفلسطينية قيمة التراجع في مختلف المشروعات الاستثمارية منذ بداية الانتفاضة حتى نهاية مارس الماضي بنحو ثلاثمئة مليون دولار الا أن الأمر الأكثر خطورة هو ما يتوقعه الخبراء الاقتصاديون من ضعف شديد لتدفق الاستثمارات على المناطق الفلسطينية خلال السنوات المقبلة، بسبب مخاوف المستثمرين الأجانب والمحليين من المخاطر العالمية للغاية للاستثمار في الضفة والقطاع في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي. الخسائر في القطاعات الاجتماعية بدورها ضخمة للغاية وتقدر السلطة الوطنية الخسائر في قطاعات التعليم والصحة ودخل الأسرة والسياحة والمشروعات الحكومية المتعطلة بمليار وثلاثمئة وأربعة وثمانين مليون دولار خلال الفترة منذ بداية الانتفاضة حتى نهاية مارس الماضي ويمكن توقع خسائر اضافية كبيرة بسبب الاجتياح الشامل للمناطق الفلسطينية، المستمر منذ بداية شهر ابريل الماضي حتى الآن وما يرافقه من عمليات تدمير واسعة النطاق لمباني المدارس ومراكز الخدمات الصحية والاجتماعية، والوزارات وغيرها من المنشآت. الأرض المحروقة واذا كانت اسرائيل تنتهج سياسة التدمير الشامل للاقتصاد الفلسطيني، فقد كان نصيب الزراعة من هذا التدمير كبير بصورة خاصة وانعكست فيه بجلاء لا مزيد عليه همجية المعتدي الصهيوني. وقد سبق أن ذكرنا أن خسائر القطاع الزراعي الفلسطيني حتى أواخر مارس الماضي بلغت أكثر خمسمئة وخمسين مليون دولار. والواقع أن التدمير المنهجي الشامل للزراعة الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قد اتخذ أشكالا همجية يستحيل وصفها بغير « سياسة الأرض المحروقة». فقد توسعت اسرائيل كثيرا في تطبيق سياسة تقليدية لها هي اجتثاث أشجار الزيتون والحمضيات وغيرها من الأشجار المثمرة التي تحتاج الى سنوات طويلة من الرعاية المكثفة حتى تبدأ في الانتاج. وتم حتى نهاية مارس الماضي اجتثاث أكثر من خمسمئة ألف شجرة مثمرة، وتجريف عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي الزراعية (الدونم 1000 متر مربع) وتدمير ما بها من محاصيل ومنذ بدء الاجتياح الشامل للأراضي الفلسطينية وفي شهر أبريل تم تجريف آلاف أخرى من الدونمات من الحقول، و(اغتيال) آلاف أخرى من الأشجار المثمرة ومع بدء بناء «الجدار الأمني» خلال الأسابيع الأخيرة دمرت قوات الاحتلال أو استولت تماما على عشرات الآلاف من الدونمات من الحقول و(بيارات) الزيتون والبرتقال. كما دمرت قوات الاحتلال منذ بدء الانتفاضة مئات الآبار ومضخات الري، والصوبات الزجاجية، ومزارع الدواجن والمواشي. أما الحقول والبساتين والمشروعات الزراعية التي لم يتم تدميرها، فان حالة الحصار وحظر التجول المتكرر قد الحقا ضررا فادحا بامكانية رعاية الفلاحين لها.وفي أحوال كثيرة لم يتمكن المزارعون من جني محاصيلهم. فاذا تمكنوا من جنيها، فان حالة الاغلاق المستمرة تخلق صعوبات هائلة أمام امكانية نقلها لأماكن أخرى في الضفة والقطاع . كما دأبت سلطات الاحتلال على اغلاق المعابر الحدودية، ومنع الشاحنات المحملة بالصادرات من المغادرة، وترك حمولتها نهبا للتلف. وأدى كل ذلك للتوقف التام للصادرات الزراعية الفلسطينية التي تقدر بنحو ثلاثمئة مليون دولار سنويا. وتضافرت سياسة الحصار والاغلاق مع التدمير المنهجي الشامل للاقتصاد الفلسطيني لترسم ملامح حرب تجويع تشنها الدولة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، ولتؤدي الى كارثة انسانية حقيقية نزلت بهذا الشعب الشقيق المناضل. وخصوصا في ظل ضآلة المساعدات العربية والدولية له، وعجزها عن الوفاء بالحد الأدنى من احتياجاته الأساسية ويكفي أن نذكر أن نسبة البطالة في ظل هذه الأوضاع المأساوية قد تجاوزت الستين في المئة في الضفة والقطاع!! ووفقا للتقارير الفلسطينية والدولية فان نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر قد بلغت حوالي خمسة وستين في المئة من سكان الضفة والقطاع. علما بأن من يعتبرون تحت خط الفقر هم أولئك الذين يقل دخلهم عن دولارين يوميا. واذا كانت هذه هي الحال في أواخر مارس، فمن البديهي أنها قد ازدادت سوءا خلال الشهور الثلاثة الأخيرة التي شهدت تصعيدا مستمرا للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. وعلينا أن نتخيل الظروف التي يعيش فيها هذا الشعب الشقيق، ويواصل نضاله البطولي ضد العدوان. وعلينا أيضا أن نسأل: أين العرب من هذه المأساة؟! وبينما تزداد وطأة حرب التجويع التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني.. وبينما يتلهي العرب بتقديم المبادرات، والبحث عن الايجابيات في بيان بوش والجدال حول ضرورة وسبل الاصلاح داخل البيت الفلسطيني.. ظهرت منظمات صهيونية لتلعب لعبة خطيرة للغاية.. فهم يفتحون أمام أبناء الشعب الفلسطيني السبل للهروب من هذا الجحيم. والهجرة الى حيث الأمن والهدوء. والعمل والرفاهية.. الى أرض اللبن والعسل الى الولايات المتحدة وكندا! ففي الأسابيع الأخيرة ظهرت اعلانات باللغة العربية في بعض الصحف الاسرائيلية عن وظائف بأجور كبيرة في الولايات المتحدة وكندا وخصوصا في مجالات التمريض وأعمال البناء والنقل. وتقدم الاعلانات وسائل للاتصال تنحصر في أرقام هواتف يرد خلالها متحدثون باللغة العربية يقدمون كل المعلومات حول تفاصيل الأجور وامتيازات الوظائف!! واذا كانت هذه هي الوظائف المتاحة الآن فقد تظهر وظائف في مجالات أخرى. وربما في بلدان أخرى من استراليا ونيوزيلندا الى الدول الاسكندنافية. واذا كنا لم نفقد ذاكرتنا تحت وطأة الضربات والأحداث المتلاحقة فان مشروعات توطين الفلسطينيين في بلدان غربية، وخاصة أمريكا وكندا هي مشروعات قديمة طرحها صهاينة رسميون وغير رسميين منذ سنوات. وواضح أنه حتى الرعب من «الارهاب» لا يحول دون سعي الصهاينة لتحقيق هذه المشروعات الهادفة الى تفريغ الأراضي الفلسطينية من ابنائها.. انه «الترانسفير» الذي يتضافر الارهاب الوحشي وحرب التجويع مع الاغراءات البراقة في أشد اللحظات قسوة من أجل تحقيقه. أي من أجل تصفية القضية الفلسطينية. أما العرب. فيبخلون بدولاراتهم على الشعب الفلسطيني. ويتلهون بتقديم المبادرات «السلمية» وفحص بيان بوش بالمجهر لاستخراج «ايجابياته»!! وغدا أو بعد غد يقول اعلاميونا: «الفلسطينيون هم الذين تركوا أرضهم» ويغسلون أيديهم وأيدي أنظمتهم من دم الأرض المقدسة! ترى هل يرحمنا التاريخ؟ ـ كاتب مصري