مما يضر ضرراً كبيراً بالحركة الثقافية ان تمد الجهات الرسمية يدها بالعطاء لمن يؤيدها من المثقفين أو لمن لهم نظرة تماثل نظرتها، أو لمن يطوعون اقلامهم خدمة لتلك الجهات أو لمن يلجمون اقلامهم عن تبيان الحقيقة. ومما هو ضار ضرراً كبيراً بالحركة الثقافية ان يحرم من الدعم الذين يخالفون الجهات الرسمية رأيها والذي تستلهم كتاباتهم ضمائرهم وعقائدهم بغض النظر عن شبهها لعقيدة تلك الجهات والذين تملي عليهم ضمائرهم ما يتفوهون به أو ما تخطه براعتهم والذين لا يطوعون اقلامهم إلا للابانة عن معتقداتهم وقيمهم والذين يستنيرون في كتاباتهم بدافع تبيان الحق والحقيقة والذين يحترمون رؤاهم والذين لا تغلب على طموحاتهم وأمنياتهم الاعتبارات الانانية والمادية ويجعلون من اقلامهم أداة للافصاح بحرية عن آرائهم في شتى المجالات وعن الحقيقة ويجعلون من ضمائرهم بوصلة لأعمالهم وكتاباتهم ويجعلون من فكرهم قبساً يضيء ما حولهم ويجعلون من قيمهم مرساة لمواقفهم وانطلاقاتهم الفكرية والسلوكية والذين ينظرون إلى مصلحة الفرد من منظور مصلحة المجموع والذين فلكهم القومي والانساني يشتمل على كل الأفلاك الأصغر. وفي اصدار الاحكام على نتاجات الآخرين يجب ان يكون المنطلق منطلقاً عاماً عريضاً وليس منطلقاً خاصاً ضيقاً، وينبغي توخي الموضوعية والتحلي بالحس بالمسئولية الخلقية والمهنية، ويجب ألا تطغى الاعتبارات الانانية الخاصة على الاعتبارات الخلقية والموضوعية العامة. فإذا تغلبت لدى من يصدر الحكم الاعتبارات الخاصة الضيقة على الاعتبارات العامة جرد ذلك المرء من الحق في اصدار الحكم. ان اهمال الأوساط المختلفة للنتاجات الأكثر اصالة وانطلاقاً يؤدي إلى اقصاء تلك النتاجات وتغييبها وتغييب اصحابها، ان ابعاد المفكر الناقد المبدع عن المشاركة في الحياة الثقافية العامة وفي شئون المجتمع وتهميشه وحصاره النفسي والمعنوي والاقتصادي والاجتماعي وكبته تفضي إلى الانكماش الفكري والعاطفي وإلى انغلاقه على نفسه وإلى قلة اتصاله بالعالم الخارجي الذي حوله. ولنشر النتاجات الأقل عمقاً وأصالة وابداعاً اثر سلبي، ففي الوقت الحاضر الذي تنشأ فيه تحديات وأزمات تتطلب الانطلاق والاصالة والابداع على المستوى الفكري والأدبي والفني والفلسفي تحد كثرة النتاجات الفكرية والأدبية المنشورة الأقل عمقاً وأصالة وابداعاً من انتشار النتاجات الفكرية والأدبية الأكثر عمقاً وأصالة وانطلاقاً. والمفكر أو الأديب المبدع ذو الاصالة لا يحقق نفسه إلا بالفكر أو الأدب الابداعي الأصيل وتتصدر منطلقاته الأدبية والفكرية اهتماماته، وأحياناً تكون كتابات الأديب أو المفكر التي تنتقد حالة من الحالات الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية نابعة من منطلقات فكرية عامة ومجردة ولا تكون مستهدفة على نحو محدد لهذه الحالة أو لتلك أو لهذا الوسط أو لذلك. وأحياناً يكون الأديب أو المفكر غارقاً في أدبه وفكره وفي الافصاح عنه إلى حد انه لا يدرك النتائج المترتبة على تبيان ذلك الفكر، ولذلك لا يستحق الأديب أو المفكر العقاب الذي يتلقاه أحياناً كثيرة من الأوساط المختصة. والحكومة التي تحت أمرتها الجيش والشرطة وسائر اجهزة الانفاذ الحكومي هل تخاف حقاً من كتابات أديب أو مفكر لا يبلغ تأثيرها حد زعزعة الاستقرار أوتشويش سير الاضطلاع بالحكم، لم لا يوجد تناسب بين الاثر الذي قد تسببه كتابات المفكر والعقاب الذي ينزل به؟ وينبغي لجميع الجهات المعنية بالنتاجات الأدبية والعلمية والفكرية والفلسفية والنقدية والفنية، ان تجمع تلك النتاجات وان تعدها وتنشرها بوصفها ارثاً فكرياً وثقافياً عربياً، وإذا لم تجمع تلك النتاجات وتنشر يمكن ان تضيع، ولتحقيق جمع هذه النتاجات ونشرها ينبغي انشاء صناديق حكومية وغير حكومية لتحقيق هذا الغرض.