نستعير هذا العنوان من الوثيقة الشهيرة التي صدرت في الولايات المتحدة منذ عقدين وأكثر من عمر الزمن. على أن الفارق لا يتمثل وحسب في هذا البعد الزمني ولكنه قد يتجسد بصورة أوسع وأعمق في الجانب الموضوعي أو المضموني كما قد نسميه. في الحالة الأميركية كان شعار «أمة في خطر» يصدق على مجال التربية والتعليم يومها عكف فريق من أكبر خبراء التعليم على تدارس أحوال العملية التربوية في نظام أميركا التعليمي وكم أجروا الفحوص والاختبارات ودراسات العينة وتجارب الميدان إلى أن خرجوا بنتائج مقلقة بل كانت مزعجة عمدوا إلى تضخيمها في تقريرهم الشهير بعنوان «أمة في خطر» وقد رفعوه يومئذ إلى رئيس الولايات المتحدة يحذرون في سطوره وينذرون بأن الدراسات التربوية المقارنة التي أجروها أفضت بهم ـ موضوعيا وبأمانة متناهية مع النفس ومع الحقيقة ـ إلى أن التعليم في أميركا أصبح في حال من التدهور وأن الطالب في أميركا أصبح ترتيبة متخلفا بعد الطالب الياباني والطالب الغربي ـ أوروبي وربما بعد عينات نابهة مجتهدة وجادة من طلاب الهند أو الصين أو بعض الأقطار المتوثبة في جنوب شرقي آسيا. تخلف أميركا نسبي مع هذا كله ، علينا أن ننبه منذ مفتتح الحديث إلى أن التخلف الذي تطرق إليه التقرير الأميركي هو كان بالطبع تخلفا. نسبيا أو مشكلة مقارنة حيث كان محور البحث ـ كما المحنا ـ مقصورا على مجال عوائد عملية التربية ومخرجات نظام التعليم. لكن في حالتنا العربية فإن أمامنا تقرير يتناول الوضع العربي الراهن وينبغي لنا ـ من واقع إستقرائنا لسطوره ودلالاتها ـ أن نطلق عليه نفس العنوان ولو على سبيل الاستعارة ـ أمة في خطر ـ ولكن بعد أن نوسع إطاره لأن مجرد الاقتصار على نظامنا التعليمي العربي إلى حيث يشمل مجمل المشهد الراهن الذي يسود مسرح الحياة في العالم العربي. هذا العالم العربي الذي تلمح تعبيرات التشفى السياسي في أحواله حين تقرأ مثلا المقال الذي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية عدد 41/7/2002) وإختارت لمقالها عنوانا يقول: هذا العالم العربي مسئول عن سوء الأوضاع التي بات يعيشها. شماته إسرائيلية مفهومة والذي يحز في النفس حقا أن الجريدة الإسرائيلية لم تكن تصدر عن منطق الدعاية الصهيونية المعادية للعرب وهو منطق طبيعي ومتوقع في ضوء مفردات وتطورات الصراع العربي ـ الإسرائيلي. لقد كانت « معاريف» في موقف التشفي الذي صدرت عنه إنما تحيل إلى مرجع عربي في غاية الأهمية آثرنا أن نسلط عليه الضوء في هذه السطور. هذا المرجع عنوان يقول.. تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002. وقد صدر في الأسبوع الأول من شهر يوليو الحالي وجاء ثمرة لجهود ظلت متواصلة على مدى أكثر من سنة ونصف السنة بذلها عدد من صفوة الأكاديميين العرب الاختصاصين في مجالات علوم الاقتصاد والدراسات الإنمائية والديمغرافيا (السكانيات) والإحصاءات وما يرتبط بها من تخصصات وكان على رأسهم البروفيسور نادر فرجاني (من مصر) وهو إستاذ مرموق في هذا المجال نراه وقد تميز عن أقرانه من علماء الإحصاء والاقتصاد وعلوم السكان والتنمية ـ من واقع اعتماده نظره قومية أشمل من قطرية أو إقليمية بمعنى أنه يطل على الظاهرات التي تطرأ وتتجلى على المشهد العربي المعاصر من واقع أن هذا المشهد لا يمكن معالجته من منظور جزئي ولكن من منظور شمولية العالم العربي وإنتمائة إلى أمة موحدة بعوامل التاريخ والثقافة والمصائر ولكنها مشتته مجزأة ومن ثم مختلفة مبددة الموارد ومجزأة الإمكانات والقدرات. للدكتور نادر فرجاني كتاب محدود الحجم ولكن بالغ الأهمية حتى رغم صدوره منذ نحو ربع قرن ويحمل عنوانا بالغ الدلالة بالنسبة لإمكانات أمة العرب وعوامل تبددها وهذا العنوان هو: «هدر الإمكانية» وكأنه يردد في هذا الصدد قوله الشاعر العربي القديم ونظنه المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام الوالد الشرعي للتقرير وبديهي أن تقرير التنمية البشرية العربية جاء على غرار والده الشرعي ـ كما قد تسميه ـ وهو تقرير التنمية البشرية الدولي أو العالمي الذي يصدر في كل عام عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهو في رأينا أهم وكالة أو هيئة متخصصة تضمها منظومة الأمم المتحدة وأقربها إلى مصالح الأمم والشعوب وبخاصة في دول الجنوب ونحن منها حيث يكتسب هذا البرنامج الإنمائي الدولي مصداقيته ـ كما قد نتصوره من واقع إبتعاده عن السياسة وعن التدخل ـ السافر أو المباشر على الأقل ـ فيما تعتمده حكومات العالم بالنسبة لشعوبها من استراتيجيات وتوجهات المقارنة هنا بمنظمات دولية شقيقة أسمها صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو المؤسسة الإنمائية الدولية والمنظمات الثلاث ـ كما لا يخفي عليك تفوح من أعطانها رائحة.. أميركية في كثير من الأحيان. مآثر محبوب الحق ولقد نستدعي إلى الذاكرة القريبة ما سقناه من أحاديث لتعريف القارئ الكريم بوثيقة تقرير التنمية البشرية وقت صدورها السنوي على الصعيد الدولي ، ومن ثم ترجمتها إلى لغتنا الشريفة في تلك السياقات أفضنا يومها في حديث عن الأب الشرعي للتقرير الدولي وهو العالم المسلم الراحل البروفيسور محبوب الحق عليه رحمه الله الذي حرص على أن يتحول بمؤشرات ومحددات ومعايير (بارامترات) العملية الإنمائية من حيث الأداء الاقتصادي والاحصاءات المالية والإنجازات أو الإخفاقات المادية (السدود أو محطات القوى أو كيلو مترات الطرق السريعة أو مساحات الإستزراع أو معامل الصناعات. الخ) إلى حيث يتجه هذا التحول إلى البشر إلى نوعية حياتهم ومستوى تعليمهم ودرجة ما قد ينعمون به (أن كانوا ينعمون حقا) من رعاية ومن رفاه. وإلى أرتقاء ثقافتهم وإلى ديناميات محاربة الفقر في مجتمعات الجنوب والنهوض بالمرأة ورعاية الفئات والشرائح الاجتماعية المستضعفة. ما بين النساء إلى الأطفال والمعاقين والمسنين.. الخ. والحاصل أن تقرير محبوب الحق (الدولي) ظل منتظما في الصدور على مدار السنوات العشر الأخيرة. ومساهمة نادر فرجاني وها هو تقرير نادر فرجاني (العربي) يصدر منذ أيام قلائل ليشكل ـ كما تصفه مجلة الأيكونومست البريطانية (عدد 6/7/2002) ـ أول نظرة شاملة يلقيها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على منطقة بعينها من مناطق العالم (المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط) . وفيما صاغ تقرير محبوب الحق الدولي مقياسا أو معيارا حمل عنوان دليل التنمية البشرية وهو رقم قياسي كما يقول المصريون أو مؤشر كما يقول أخوتنا من علماء المشرق العربي مركب من عدة مؤشرات إحصائية يجمع بين قياس أداء التنمية في مجالات الاقتصاد والتطور الاجتماعي والثقافة والتعليم. وما إلى ذلك فقد أصطنع تقرير نادر فرجاني العربي مقياسا أو مؤشرا خاصا يمكن تعريفه على أنه الدليل البديل للتنمية البشرية وفيه يجرى ـ كما يوضح تحليل الأيكونوست ـ استبعاد عنصر الدخل المادي للفرد مع إضافة قياسات أخرى تؤشر إلى سجل الحريات في هذا البلد العربي أو ذاك ، وأيضا إلى درجة إستعمال المواطنين العرب لشبكة الإنترنت المعلوماتية العالمية وإلى حجم انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي تؤثر بدورها إلى درجة الإصابة بتلوث الهواء في الأجواء اليعربية الصابرة. الإهتمام الجاد مطلوب لسنا ندري حجم الإهتمام الذي لقيه أو من المفروض أن يلقاه صدور تقرير التنمية البشرية العربية لدى دوائر صنع السياسة وإتخاذ القرار وأيضا بين صفوف الاعلاميين في منظومات الصحف والإذاعات والفضائيات في وطن اليعاربة الميامين والذي ندريه أولا أن التقرير قد صدر ولكن لا حس ولا خبر كما يقول المثل الدارج. بمعني أنه لم يلق ما هو جدير به من الإهتمام الثقافي الخاص وبالتالي الإهتمام الجماهيري العام هذا رغم أنه يتعامل مع أقرب القضايا حيوية وجوهرية بل وخطورة من حيث مساسها بحياة الجماهير .. الناس في العالم العربي. وهو يتعامل مع هذه القضايا. بمنطق الإحصاء العلمي ، ومنطق الدرس الموضوعي ومنطق التحليل والاستنتاج والإستخلاص الباحث عن الحقيقة بغير تهويل ولا تهوين لعل فضائيات التلفزة العربية مازالت مشغوله ـ كان الله في عونها ـ بمهارشه الديوك التي تسميها ندوات الحوارات المعاكسة حيث لا يخرج المشاهد العربي بزاد لا من المعرفة ولا بفائدة تضيف إلى الفهم وتعزر الوعي وتحفز من ثم على ترشيد العمل وتجويد الاداء. لقد عكف على وضع التقرير العربي باحثون ومفكرون وأكاديميون بارزون من الوطن العربي ليقولوا لأبناء أمتهم أيها السادة. أيها الرفاق.. نحن أمة تواجه خطرا محدقا وجسيما وحالا (بتشديد اللام) وهو بغير مواربة خطر التهميش من جانب «الآخر» بفعل التقصير من جانب «الأنا» خطر الاهانة من جانب العالم بسبب ما اتبعناه في الوطن العربي من سلوكيات الاستهانة بكافة أنماط تلك السلوكيات، إبتداء من إستهانة النخب الحاكمة بآراء الناس وليس إنتهاء بإستهانة الناس أنفسهم بالقيم الإيجابية التي لا تقوم حضارة بدونها. قيم الإتقان في العمل واحترام تقسيم الوقت وإتباع نهج الجدية في أداء المهام الموكلة لكل فرد ناهيك عن قيم المصارحة والمكاشفة والتوسط والاستقامة في التصرف والسلوك بغير ما افراط أو تفريط لا عجب أن يأتي صدور التقرير الإنمائي العربي ليستأثر بإهتمام الأيكونومست البريطانية ولتفرد له عددا من صفحاتها بوصفه تقريرا خاصا عن التنمية العربية ولتقديم هذا التقرير الجديد لقرائها بعبارات تقول: هذا التقرير لا يعذر أحدا وفي سطوره يحاول علماء عرب أن يفسروا الأسباب التي جعلت منطقتهم متخلفة تتعثر خطاها أشواطا طويلة خلف مسيرة العالم وهم في هذا ـ تضيف الأيكونومست ـ يعمدون إلى طرح السؤال المحوري البسيط: ما الذي اصاب العالم العربي.. أين مكمن الخطأ؟ لماذا تخلفت خطاه وراء مسير الزمن؟ والمدهش أن الأيكونومست لا تنعي وطننا العربي بقدر ما أنها تعرب أو تكاد تعرب عن إستغرابها الشديد إزاء ما وصل إليه الفارق بين إمكاناتنا ومقدراتنا، وهي طيبة ولا يستهان بها ، وبين ما صارت إليه أحوالنا وما آلت إليه ظروفنا أو بصراحة ما تدهورت إليه مكانتنا في أقدار العالم وموازين العصر. تواصل الأيكونومست حديثها فتقول : واضح أن المنطقة العربية ليست محرومة من الحظ السعيد.. حباها الله بإمكانات طائلة من النفط ويشارك أهلها في ميراث ثري موفور من الثقافة والعقيدة الدينية واللغة وهي لا تواجه إنماط معدية أو مستوطنة من الفقر ولا من الصراعات العرقية (الاثنية أو الشعوبية) .. بل أن المنطقة العربية إستطاعت أن تحرر نفسها منذ وقت طويل من مواريث الاستعمار الكولونيالي القديم والجديد على السواء.. الخ مازال السؤال مطروحا وبعد هذا كله ، بل رغم هذا كله لماذا تبدو صورة العالم العربي الراهن قائمة في الحاضر وغير واعدة ولا مبشرة بأي وعود في مستقبل الأيام؟ وبالطبع فمازال السؤال مطروحا وبالحاح، شديد.. وإذا كان تقرير التنمية البشرية العربية قد إستخدم أدواته العلمية في ظل إشراف من جانب الأمم المتحدة لتضعه منظومة الاعلام الإسرائيلية في بؤرة اهتمامها ولتفرد له كبرى مجلات الفكر الاقتصادي ـ السياسي في العالم عددا لا يستهان به من الصفحات ومرة أخرى: ما الذي أصابنا كعرب.. ما الذي حل بنا وجعلنا موصوفين . موضوعنا بأننا بصراحة «أمة في خطر» ثمة أرقام تتكلم وحقائق لابد من أن توضع بكل جدية في نظر الاعتبار. وإلى الجزء الأخير إن شاء الله ـ كاتب سياسي من مصر