كيف تؤسس لجاذبيتك الشخصية، وكيف تبني جسور الاحترام والثقة بينك وبين الناس؟ ما من شخص إلا ويتمنى ان تكون له جاذبيته الخاصة، ويكون له حضوره المميز، وان يتوفر له قدر رائع من ثقة الناس واحترامهم. انها حاجة نفسية توجد في اعماق كل انسان له مزاج اجتماعي سليم، وله ذات تبحث عن مكانتها في المجتمع، وتفتش عن منزلة لها في قلوب الناس. ورغم واقعية هذا المطلب الانساني ووجاهته من حيث انه اشارة على التفات الانسان الى من حوله، وعنايته برأيهم فيه، وانجذابه نحو عاطفة طبيعية ومشروعة إلا ان الحصول على احترام الناس وتقديرهم ليس بالامر الحتمي الذي يتحقق للانسان دون مقدمات طبيعية تؤدي الى تلك النتيجة التي يرغب بحدوثها الانسان. فالشيء المؤكد ان الناس تقدم احترامها لمن يستحق، وتمنعه عمّن لا تجده اهلا لينال التقدير والاحترام. ثمة قانون شائع يتدخل في تكوين آراء الناس، ويحدد منطلقات الاحكام التي يصدرها الاشخاص تجاه بعضهم البعض، يقول ذلك القانون: «الناس ترى وتحكم بعواطفها، ثم تدافع عن آرائها بعقولها» معنى ذلك ان المشاعر الانسانية هي التي لها الهيمنة في الحكم على انسان ما بأنه جدير بالقبول والمحبة، او انه لا يستحق شيئاً من التقدير او الاحترام. ولأجل هذا فان الطريق السهل لبناء علاقات ايجابية ناجحة يبدأ من الحفاظ على تلك السلوكيات الاجتماعية العامة التي يمارسها الانسان الناضج بتلقائية وعفوية وبساطة من شأنها ان ترفع رصيده في قلوب الناس، وتؤسس لرابطة حقيقية قوامها التدفق التلقائي اثناء الحديث، مع العناية الشديدة بالجلساء من خلال اظهار الاهتمام بهم، والتجاوب مع الافكار المطروحة، وإبداء الرأي بشجاعة لا تنقصها اللباقة والادب، مع مراعاة الالفاظ بحيث تكون قادرة على تحقيق التواصل النفسي بين الاطراف المتحاورة دون الاخلال بمباديء الاستماع الفعّال التي لا تقل اهمية عن الكلمات والعبارات التي يعبر بها الشخص عن افكاره وآرائه الخاصة. ولكن! هل يكفي اللقاء المباشر ـ على اهميته ـ ليكون للانسان تلك الجاذبية، وذلك الحضور المتميز؟ في الحقيقة كلا... ان الذي يعلي من قيمة الانسان شيء يتجاوز اللقاء العابر به، ويختص بالصدى الذي يتركه الفرد في المجتمع الذي يحيط به، إنه يرتبط بسيرته التي يرويها عنه الناس، ويتذكرونها في مجالسهم ومنتدياتهم. الذي يؤسس للجاذبية الشخصية ـ ايها القراء الكرام ـ تلك النقاط البيضاء التي تملأ صفحات حياة ذلك الشخص، والتي ليس فيها نقاط مظلمة يحاول ان يخفيها عن الناس، ويخشى من اكتشافهم لها. انها تلك الحقائق التي تشهد بصدق انتمائه لمجتمعه وامته. والتي تدلل على الدرجة العالية بالمسئولية التي يتمتع بها تجاه الواجبات التي يكلف بها. انها ذلك السجل الشخصي الذي كتبه حرفاً حرفاً وهو يترجم مبادئه وقناعاته الى سلوك يومي ليس فيه ما يخدش الحياء، او ما يجلب له اللوم والعتاب. بجدارة كاملة ينتزع الانسان المتصل بداخله احترام الناس ومحبتهم له، ويؤسس بصدق لجاذبية شخصية تزداد ألقاً مع كل خطوة يخطوها في الحياة، نائيا بنفسه عن المزايدات والمقايضات في سوق ارتاده كثيرون من ضعاف النفوس وطلاب الحظوظ العاجلة، بينما سما صاحب المبدأ فوق تلك العروض الرخيصة، وأخذ ينظر باستعلاء الى اولئك المقايضين على شرف امتهم وكرامة مجتمعاتهم. وهكذا امتطى ـ صاحبنا جواداً حلق به عاليا نحو نجم لا يظهر إلاً لامثاله من الصادقين.