يروي شهاب الدين الأبشيهي فيما جمعه من طرائف وحكايات انه يحكى عن هارون الرشيد انه أصيب بأرق شديد ذات ليلة فقال لوزيره: إني أرقت في هذه الليلة وضاق صدري ولم أعرف ما أصنع، وكان خادمه مسرور واقفا أمامه فضحك فقال له: ما يضحكك استهزاء بي أم استخفافا؟ فقال: وقرابتك من سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ما فعلت ذلك عمدا ولكني خرجت بالأمس أتمشى بظاهر القصر إلى جانب الدجلة فوجدت الناس مجتمعين فوقفت فوجدت رجلا واقفا يضحك الناس يقال له ابن المغازلي، فتفكرت الآن في شيء من حديثه وكلامه فضحكت، والعفو يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: ائتني الساعة به، فخرج مسرور مسرعا إلى أن جاء إلى ابن المغازلي فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال: سمعا وطاعة. فقال له مسرور: بشرط انه إذا أنعم عليك بشيء يكون لك منه الربع والبقية لي، فقال له: بل اجعل لي النصف ولك النصف، فأبى، فقال ابن المغازلي: فالثلث ولك الثلثان فأجابه إلى ذلك بعد جهد عظيم. فلما دخل ابن المغازلي على الرشيد سلم فأبلغ، وترجم فأحسن، ووقف بين يديه فقال له أمير المؤمنين: إن أنت أضحكتني أعطيتك خمسمائة دينار، وإن لم تضحكني أضربك بهذا الجراب ثلاث ضربات. فقال ابن المغازلي في نفسه: وما عسى أن تكون ثلاث ضربات بهذا الجراب وظن في نفسه أن الجراب فارغ فوقف يتكلم ويتمسخر وفعل أفعالا عجيبة تضحك الجلمود فلم يضحك الرشيد، وحتى لم يبتسم، فتعجب ابن المغازلي وضجر وخاف فقال له الرشيد: الآن تستحق الضرب ثم إنه أخذ الجراب ولفه وكان فيه أربع زلطات كل واحدة تزن رطلين فضربه، فلما وقعت الضربة في رقبته صرخ صرخة عظيمة وتذكر الشرط الذي شرطه عليه مسرور فقال: العفو يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمتين، فقال له: قل ما بدا لك. فقال: إن مسرورا شرط علي شرطا واتفقت أنا وإياه على مصلحة، وهو أن ما حصل لي من الصدقات يكون له فيه الثلثان ولي فيه الثلث وما أجابني إلى ذلك إلا بعد جهد عظيم، وقد شرط علي أمير المؤمنين ثلاث ضربات فنصيبي منها واحدة ونصيبه اثنتان، وقد أخذت نصيبي وبقي نصيبه، فضحك الرشيد ودعا مسرورا فضربه، وقال: يا أمير المؤمنين قد وهبت له ما بقى، عندئذ ضحك الرشيد وأمر لهما بألف دينار لكل منهما نصفها.