أعتقد أن الكثيرين منا يذكرون قصة الكاتب الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز «قصة مدينتين» فالرواية ترجمت أكثر من مرة، ونشرت كثيرا، واعتبرتها وزارات التعليم مادة دراسية سواء في متنها الأصلي أو في التبسيط الذي قاموا به، رواية محظوظة حقا وإذا لم تكن قرأتها أو درستها فلابد أنك شاهدتها على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة فلقد قدموها عدة مرات وللذين لم تصلهم الرواية الأشهر في تناول الثورة الفرنسية التي قامت في عام 1789 ومبررات هذه الثورة من المظالم العامة ومن سجن طبيب إنجليزي في الباستيل أشهر سجون العالم، ومن مصرع طفل فرنسي تحت عجلات عربة ماركيز ثري، ثم تقوم الثورة وتخرج الطبيب الإنجليزي من السجن وقد ضاع معظم عقله أو ربما كله في غياهب السجن الشهير، وتبدأ الدورة الجديدة فإذ بمظالم جديدة تطال حتى الذين ظلمهم الوضع السابق. ورغم شهرة الرواية إلا انها ليست رواية محبوبة في فرنسا، التي لا تطيق انتقاد الثورة الفرنسية خاصة من غير الفرنسيين، وذات مرة قال لي صحفي فرنسي يعيش في القاهرة وقد مر ذكر ديكنز: ماذا يشغلك في ديكنز ؟ انه كاتب من الدرجة الثالثة الإنجليز لا يعرفون كيف يكتبون الرواية وديكنز أسوأهم! وربما كان رأي صاحبنا رأيا نقديا، لكنني أظن أن رواية قصة مدينتين لها تأثير كبير على هذا الرأي، والثورة الفرنسية من أكثر الثورات التي أسالت دماء قتلت لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت وعددا كبيرا من الأمراء والنبلاء وغيرهم وأيضا قتلت عددا كبيرا من زعماء الثورة نفسها، فلقد انقلبوا على بعضهم في مجازر مثيرة. ورغم ذلك ففرنسا حريصة على عدم انتقاد الثورة الفرنسية، لا أعرف هل هناك قانون بذلك أم لا؟ لكنها لا تسمح بذلك ومازال علم فرنسا هو نفسه والمارسليز هو نشيدها الوطني والجمعية العمومية بتركيبتها التنظيمية نفسها. وبالتأكيد تفخر فرنسا بثورتها لأنها غيرت الحياة في العالم، والهمت الناس مبادئها: الحرية - الاخاء - المساواة، ولكننا غير فرنسا! فمنذ أن قامت ثورة يوليو 1952 حتى الآن، وهم يلقون عليها كافة الاتهامات ويعلقون عليها كل إحباطات الأمة ويتهمونها بأنها سبب الهزيمة، كما لو كانوا منتصرين قبلها! وأعتقد أن أمة لم تحشد قواها ضد ثورتها مثلما فعلت الأمة العربية، فلقد وجهت لها كافة التهم بتلذذ شديد، بعض هذه التهم تصلح للمسرحيات الكوميدية مثل أنها صناعة أميركية رغم أن الوثائق مازالت تصدر وتؤكد أن شيئا في الشرق الأوسط لم يهز الأميركيين مثلما هزتهم ثورة يوليو وبعض هذه التهم يستعصي على المسرحيات الكوميدية، اختار مثلا يعجبني كثيرا: طبيب عجوز ظهر فجأة ودون مقدمات وكتب كتابا عن ذكرياته السياسية!! لم يكن له علاقة بالسياسة من قريب أو بعيد. وقال انه كان صديقا للرئيس السادات لكن السيدة جيهان السادات أنكرت أنه كان من أصدقائه هذا الطبيب يكره ثورة يوليو لله! أو ربما لأسباب لا نعرفها المهم أنه يحكي هذه الحكاية الفذة التي تكفي لادخال أي شخص إلى مستشفى الأمراض العقلية. يقول لا فض فوه: ان جمال عبد الناصر في أوائل عهده كان نائما وسط الناس ولا أعرف ولا أظنك تعرف يا عزيزي القارئ كيف ينام إنسان وسط الناس لكن هكذا أراد أخونا الطبيب ولأنه نائم فهو يحلم ولأنه يحلم فهو يعبر عما في داخله، هكذا قال الطبيب وعندئذ قال جمال عبد الناصر بصوت عال: كلها خطوة أو خطوتان وأستولي على الحكم، وأمسك هذا البلد بيد من حديد وأذل الجميع وأحطم كل شيء، وأدمر كل بناء أنا أريد أن أخربه! هذا ما قاله الطبيب ولم يحاول أي طبيب نفسي إدخاله إلى مستشفى للأمراض العقلية لأن ما فعله كان في السياق العام وهو متعة الهجوم على ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر. ومن طرائف الهجوم على جمال عبد الناصر اتهامه في ذمته المالية ولقد بدأ هذا الهجوم صحفي كبير هو جلال الدين الحمامصي وحول الرئيس السادات الأمر إلى مجلس الشعب الذي حقق في الاتهام وبرأ الرئيس عبد الناصر بالطبع وعندما كنت أعد لفيلم ناصر 56 فوجئت بمدى التطهر الذي كان يعيش فيه جمال عبد الناصر، فأثاث بيته لم يكن يملكه اذ كان «عهدة» من الأشغال العسكرية وكان يحس بالإمتنان لها إلى حد أنه رفض أن تقيم له حمام سباحة في البيت وكان من الاستحالة أن يقيمه هو لأنه كان يتكلف أربعة آلاف جنيه. ومن الأمور التي تتعلق بالذمة المالية ولا أنساها ولا أدري هل لها علاقة بما نحن فيه أم لا، حكاية رواها لي اللواء محمد أحمد الباجوري الذي كان مديرا لأمن القاهرة في الفترة بين عامي 1952 و1954 وكنت آنئذ في صدر الشباب وقد طلب مني سعد الدين وهبة أن أراجع معه مذكراته لكن الرجل كان قد كتب أغرب مذكرات من الممكن أن يكتبها فلقد تجنب الأحداث السياسية تماما، وكتب قصص القتل والسرقات التي مرت عليه ورفض طلبي أن يكتب ما رآه من أحداث سياسية. لكنه كان يحكي لي ما رآه ومن ذلك أنه قبيل مفاوضات الجلاء أراد جمال عبد الناصر أن يضغط على الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء عن منطقة القناة التي كانوا يحتلونها فكلف بعض الضباط والفدائيين (الإرهابيين حاليا) بعمليات ضد الإنجليز. وبالطبع كانت هذه العمليات تحتاج تمويلا من الأسلحة والأموال وكان في خزانة وزارة الداخلية أموال تصرف على غير ما في بنود الميزانية وهو ميراث من قبل الثورة وكانت تسمى بالمصاريف السرية وأمر عبد الناصر وكان وزيرا للداخلية آنئذ اللواء الباجوري بصرف ثلاثة آلاف جنيه للضباط الذين يعملون في الاعمال الفدائية (الإرهابية الآن)! ولكن اللواء الباجوري كان موظفا وكان يخشى أن يأتي يوم يسأله أحد عن المستندات التي صرف على أساسها هذا المبلغ ووعده عبد الناصر بأن يسوي الأمر ولكن القلق كان مسيطرا على اللواء الباجوري وزاد توتره عندما دخل عبد الناصر المستشفى لإجراء عملية الزائدة الدودية، ولم تكن عملية هينة آنئذ وحمل له اللواء الباجوري وردا، ثم مال عليه وقال له: يا سيادة البكباش بعدما حدث وأصبحت بين يدي الله هل أدركت أهمية أن نسوي السلفة! ولم يجد عبد الناصر بدا من أن يطلب ورقة وقلما ويكتب أنه استلم الثلاثة آلاف جنيه من اللواء الباجوري! ولو أن جلال الدين الحمامصى عرف القصة فربما استخدمها! ولو أن جمال عبد الناصر حذر ما أعطى ضابطه هذا المبلغ ويبقي الإنجليز ما شاءوا في القتال. وفي العيد الذهبي لثورة يوليو مازالت هداية القاء القاذورات عليها مستمرة أحيانا بطريقة منظمة وأحيانا بعشوائية. والعزاء أن كل ثوراتنا حدث لها هذا فأحمد عرابي هوجم ومازال يهاجم وعندما عاد من المنفى في آخر ايام عمره وقف أمامه شاب «وطني» وبصق في وجهه لأنه خان الوطن! ومصطفى كامل قال فيه البعض ما قاله مالك في الخمر أو ما قاله شارون في الفلسطينيين وسعد زغلول أيضا قيل فيه ما قيل! انها هواية سب رموزنا ومع ذلك فنحن أفضل من تركيا التي جعلت انتقاد زعيمها الراحل منذ أكثر من سبعين عاما كمال أتاتورك جريمة يعاقب عليها بالسجن، فأنا لا أحب قانون العقوبات!