لا يجادل أحد في العالم العربي، ان على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي، ان لدى القوميين العرب أو الأسلاميين أو اليساريين أو اليمينيين، في أن الخطر الآني وبخاصة الاستراتيجي على العرب، أمة وأنظمة حكم ودولا متفرقة، تشكله اسرائيل والصهيونية العالمية، في السياسة كما في الاقتصاد، فضلا عن الوجود بما فيه ثقافة الأمة وفكرها وايمانها الديني. وفي المرحلة الزمنية الراهنة لا يجادل أحد كذلك، وعلى المستويين ولدى الأطراف العربية جميعها، في طبيعة التهديد الذي تمثله سياسة الولايات المتحدة الأميركية في ظل ادارتها الحالية ـ ادارة جورج دبليو بوش المرتبطة بتحالف عضوي مع المسيحيةاليهودية واليمين العنصري المتطرف ـ للعالمين العربي والاسلامي تحت شعار «الحرب الصليبية» التي تحدث عنها بوش بعد 11 سبتمبر، ليقول لاحقا انها كانت مجرد زلة لسان، ثم ليحاول معاونوه مذ ذاك نفي استهداف هذه الحرب العرب كأمة والاسلام كدين. مع ذلك فالخطر الذي يهدد العرب حقا ليس من الخارج وحده، على الحاح هذا الخطر وبشاعته . انه ينبع من الداخل ايضا. فقضية العرب الأولى والأخطر، القضية ـ القضية كما يقال، هي في قلب المنطقة بالذات وبين أيدي ابنائها، فضلا عن أنها في أيدي قادتهم السياسيين وحكوماتهم ومؤسساتهم وأحزابهم ونخبهم الثقافية وهيئات مجتمعهم المدني . هي، باختصار، قضية التخلف، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى . ذلك الديناصور الذي يحلم أصحاب المصالح من الخارج (واسرائيل والولايات المتحدة في المقدمة منهم) لو أنهم يستطيعون جعله أبديا، ومزجه بتراب المنطقة ونسيجها الأجتماعي.. لكن العرب أنفسهم، وبقرار ذاتي منهم، يتكفلون بتحقيق أحلامهم!! ديناصور مقيم الأخطر، بل والأفدح، أن الذريعة العربية في تبرير اقامة هذا الديناصور، على اختلاف أحجامه وتعدد وجوهه السياسية والاقتصادية ـ الاجتماعية والانمائية والعلمية والتعليمية والصحية والبيئية الخ..، تجد لنفسها ما تختبئ خلفه بالقول ان أقكار الأمة وطاقاتها ومواردها تنصب الآن، ومنذ زمن، على التحضير لـ «المعركة» التي طال انتظارها «المعركة» لأزالة آثار العدوان، وضد المخاطر الأساسية، ومسببي هذه المخاطر: اسرائيل في المقام الأول، ثم أعوانها سواء كانوا في الخارج او ... أساسا في الداخل !! . «تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2002»، الذي أصدره قبل ايام برنامج الأمم المتحدة الانمائي بالتعاون مع الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، يفتح العيون ـ التي تصرعلى أن تبقى مغمضة للآن! ـ على التخلف بعيد المدى، بل والمخيف، في المجتمعات العربية على اختلافها، وعلى اختلاف نسب التقدم والتخلف فيها، وايضا مستويات النمو والثروة والتقدم العلمي والثقافي والمشاركة السياسية فيها . المخيف في التقرير أنه يشير من اللحظة الأولى الى ان العالم العربي يبقى أكثر ثراء من غيره من مناطق العالم الأخرى الا انه اقل تنمية من كثير منها. لماذا؟!، لأنه يؤكد ان الناتج المحلي الأجمالي لكل البلدان العربية في خلال العام 1999 مثلا بلغ ما مجموعه 5312 مليار دولار أميركي، اي ما يشكل أقل من دخل بلد أوروبي واحد مثل أسبانيا التي يصل انتاجها المحلي الأجمالي الى 5955 مليار دولار. عالم كامل، هو العالم العربي، لا يوازي في ناتجه القومي الأجمالي دولة أوروبية متوسطة النمو مثل أسبانيا. ومع أن التقرير يلحظ ان الناتج الأجمالي العربي قد ارتفع من 2567 مليار دولار في العام 1975 الى 4457 مليارا في العام 1998، فهو يشير الى ان العالم العربي شهد نموا اقتصاديا غير مسبوق بمعدل 86 في المائة سنويا في الفترة من العام 1975 الى العام 1980 (نتيجة لارتفاع اسعار النفط) فقد تلاه انخفاض ضخم وصل الى 7،. في المئة في الفترة ما بين العامين 1982 و1990. في المقابل فمعدل نمو دخل الفرد العربي انخفض في السنوات العشرين الماضية الى مستوى يعتبر الأقرب الى مستوى افريقيا غربي الصحراء، وفي هذا يقول التقرير انه اذا استمر نهج النمو على حاله من التدني، فسيحتاج المواطن العربي الى 140 عاما ليضاعف دخله بينما يستطيع المواطن في مناطق اخرى من العالم مضاعفة دخله مرة كل عشر سنوات. كذلك فمتوسط البطالة في البلدان العربية يبلغ 15 في المائة، وهي نسبة من أعلى النسب في العالم، في حين يلحظ التقرير انه يتعين على اقتصادات المنطقة العربية ان تنمو بمعدلات لا تقل عن 5 في المائة سنويا لتستوعب العاطلين عن العمل حاليا وتوفر فرص عمل للجيل المقبل على سوق العمل. كذلك فهو يقول ان الصادرات من المنطقة التي يشكل النفط والسلع المشتقة منه اكثر من 70 في المئة منها نمت بنسبة 15 في المئة سنويا في فترة التسعينيات، الا ان هذه النسبة هي أقل كثيرا من المعدل العالمي الذي يبلغ 6 في المئة. وأيضا، يقول التقرير، ان مستوى الرفاه في العالم العربي يتفاوت بين بلد وآخر أيا كان المقياس المستخدم لذلك، علما انه يلاحظ انه يتوافر مقياس للتنمية البشرية في جميع البلدان العربية في ما عدا فلسطين والصومال . ومن بين 19 دولة عربية دخلت في لائحة التصنيف، اعتبر ان دولة الكويت جاءت على رأس الدول من حيث التنمية البشرية، تليها البحرين وقطر ودولة الأمارات العربية المتحدة، ثم بعد ذلك دول أخرى مثل السعودية ولبنان. الخطر الأكبر بالنسبة للفقر المدقع، تأتي البلدان العربية بين الأقل معاناة من ذلك الوباء في العالم، الا انه يبقى أن مواطناً عربيا من أصل كل خمسة مواطنين يعيش على أقل من دولارين في اليوم (وفقا لتقديرات البنك الدولي حول الشرق الاوسط وشمالي افريقيا). الا ان الحرمان واللا مساواة في القدرات والفرص، كما يقول التقرير، يبقيان اكثر استشراء من فقر الدخل او اللا مساواة الاقتصادية، اذ تبلغ نسبة الحرمان، بمعايير التنمية الانسانية الاساسية، 324 في المئة على قياس مؤشر الفقر الانساني الذي يعرف الحرمان بقصر العمر وغلبة الأمية ونقص الخدمات الأساسية. يبلغ عدد الأميين، أي الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، في العالم العربي الآن حوالي 65 مليونا، ثلثاهم من النساء، برغم ان الدول العربية حققت تطورا ملموسا في زيادة نسبة المتعلمين في السنوات الماضية، فانخفضت نسبة الأمية من 60 في المئة في العام 1980 الى 43 في المئة حوالي منتصف التسعينيات. الا انه يلاحظ انه من غير المتوقع ان يزول هذا التحدي ـ تحدي الأمية ـ في المستقبل القريب، لأنه يوجد حاليا حوالي عشرة ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و 15 عاما خارج الصفوف الدراسية في المدارس العربية . الأخطر، يقول التقرير، انه اذا استمرت الأمور على ما هي عليه فان هذا العدد من الأطفال سيرتفع في العام 2015 بنسبة 40 في المائة. وفي هذا المجال، مجال التعليم، يشير التقرير الى ان قدرة البلدان العربية على الوصول الى احدث الابتكارات التقنية المتمثلة بتقنية المعلومات والاتصالات واستخدامها محدودة جدا . فمثلا يستخدم شبكة الانترنت 06 في المئة من السكان فقط، بينما لا يتجاوز انتشار الكمبيوتر الشخصي معدل 12 في المئة، في الوقت الذي لا يزيد فيه الاستثمار في البحث والتطوير عن 05 في المئة من الناتج المحلي الأجمالي، اي أقل من 1 على 7 من المتوسط العالمي. والأفدح هنا هذه المفارقة: ان ما قام العالم العربي كله بترجمته الى اللغة العربية من الأبداع الفكري العالمي، على امتداد السنوات الماضية، كان حوالي ثلاثمئة كتاب سنويا، أي تقريبا خمس عدد الكتب التي ترجمت في دولة أوروبية واحدة، صغيرة الحجم ومتدنية النمو، مثل اليونان. ..مع ذلك، فهناك في التقرير ما يدعو للأعتزاز، وان مع بعض التحفظ: ـ معدل الأعمار في العالم العربي أطول مما هو في العالم، 67 عاما في المتوسط وان كانت النسبة تختلف من بلد الى آخر . ـ ارتفاع معدل التزايد السكاني، واذا استمر الحال على هذا المنوال فسيصبح عدد سكان العالم العربي ما بين 410 و 459 مليونا في العام 2020، ولكن ضمن هيكل جديد تزداد فيه نسبة المسنين على نسبة الشبان مع ان العكس هو القائم حاليا اذ تبلغ نسبة الشبان حاليا حوالي 53 في المئة من عدد السكان. ـ تضاعفت تقريبا نسبة البالغين الملمين بالقراءة والكتابة، كما ازداد عدد النساء بنسبة ثلاثة أضعاف في هذا المجال. يبقى ان ما يقوله التقرير عن جوانب أخرى معروفة جيدا لدى المواطن: عن المشاركة السياسية، والحريات العامة، وموجة الديمقراطية. ـ ويجب الاعتراف بأن المخاطر التي تهدد العالم العربي من الخارج كبيرة، بل ملحة الى حد كبير، الا ان المخاطر عليه من الداخل ـ هذا الداخل بالذات، التخلف ـ أكبر وأكثر الحاحا. ـ كاتب لبناني