اقضي اجازتي ككل صيف في فرنسا وأتفاعل مع احداثها وأحلامها وآمالها، وهي جميعا تتفاعل مع العالم العربي والاسلامي بالنظر الى ارتباط فرنسا التاريخي والجغرافي والثقافي، بقضايا العرب والمسلمين. وفي الاسبوع الماضي صدر حكم قضائي مثير للجدل في محكمة مدينة ليل بشمال فرنسا يقضي بالسجن مع تأجيل التنفيذ ضد احد أعوان الشرطة الذي كان اطلق الرصاص على عنق الشاب المغاربي المسلم رياض من خلف ظهره لان الشرطي كان لديه شك في ان الشاب يهم بسرقة سيارة في احد شوارع المدينة. وبالطبع لم يكن رياض يحمل سلاحا ولم يكن مواجها او مهددا لعون الامن، ما دام ان الرصاصة جاءته من الخلف وأصابت عنقه، اي ان العون كان ينوي ويقصد القتل وإلا لكان اطلق الرصاص في حالة قصوى على الرجلين ومن أمام لا من خلف. صدر حكم المحكمة اذن باطلاق سراح الشرطي بعد ان قضى سنة ونصف السنة من الايقاف، وذلك بعكس طلب المدعي العام الذي اقترح ست سنوات سجنا نافذة موجها الى العون تهمة القتل العمد. وبالطبع فإن هذا الحكم اثار موجة عارمة من العنف في الاحياء التي عاش فيها رياض، وشهدت ليلة الجمعة الاسبوع الماضي احراق سيارات واندلاع اعمال شغب وغضب. وتكلم المعلقون في الاذاعات والصحف عن المناخ الاجتماعي والسياسي الذي احاط بالملف وجعل المحكمة تراعي مصلحة رجل الامن ولا تراعي العدالة تجاه الشاب المغاربي المشكوك فيه بدون حجة مقنعة... وهو مناخ. يتميز باعطاء الامن الاولوية المطلقة، بعد ان كاد اليميني المتطرف جون ماري لوبان ينجح في كسب رئاسة الجمهورية في انتخابات مايو الماضي، وبعد ان دفعت الحكومة الاشتراكية بزعامة الوزير الاول السابق ليونيل جوسبان ثمن عدم اهتمامها بمسائل الامن اليومي للمواطنين الفرنسيين الذين اصبحوا يضجون من سلوكيات المراهقين العنيفة وتغاضي الدولة عن أعمالهم. في هذا المناخ المشحون بالتوتر صدر ذلك الحكم.. وهو ربما يشجع رجال الامن في المستقبل على استعمال سلاحهم للقتل كلما بدا لهم شاب مشبوه او مشتبه فيه، وخاصة اذا كان لون بشرته اسمر وكان شعره اجعد او كان اسمه محمد او كمال او كريم. وهنا وجه الخطر في الحكم الصادر. ولعلها سياسة جديدة اعلنها وزير الداخلية والأمن الجديد نيكولا ساركوزي. ولكن يجب القول احقاقا للحق ان ظاهرة العنف لدى الشباب تفاقمت في هذه العشرية الاخيرة في فرنسا بسبب تراكم اخطاء الحكومات الفرنسية السابقة، وذلك منذ ان نشأ الجيل الجديد من فرنسيين اوروبيين مسيحيين وفرنسيين مغاربيين مسلمين في احياء جديدة هي في الواقع مدن قائمة بذاتها تحتوي على عمارات كأنها مداجن بنيت لعزل عائلات فقيرة كأنها في محتشدات، فترعرع فيها جيل جديد لم يجد مدارس لائقة ولا خدمات صحية ولا منظمات تربوية وثقافية ولا تأطيرا اجتماعيا، ثم ان هذه المدن المحتشدات تحولت الى مراتع سهلة لمروجي المخدرات ومروجي الشعارات المتطرفة من كل صنف، فزرعت عصابات المافيا الجديدة في هذه المدن وفي نفوس المراهقين المتروكين في الشوارع بذور الحقد والكراهية للمجتمع وبذور العنف والفوضى ضد كل ما هو نظام وقانون وشرعية. وذلك ما يفسر الاصوات العديدة (حوالي 17%) التي اعطاها اناس عاديون وعمال بسطاء وعادة طيبون لزعيم اليمين المتطرف في انتخابات مايو الماضي. لكن هذا الحكم الغريب من محكمة عدلية لا يمكن ان ينسينا ان الرئيس شيراك عين وزيرة دولة في حكومته الجديدة، وهي الفرنسية من اصل جزائري تقية سيفي، وهي مغاربية مسلمة عملت طويلا في منظمات حماية المهاجرين.. وفي الحقيقة فإن مصطلح «مهاجرين» لم يعد صحيحا لأن عددا كبيرا ممن عرفناهم في الستينيات والسبعينيات تحت اسم مهاجرين لم يعودوا مهاجرين، لأن ابناءهم من الجيل الثاني ولدوا وتربوا وعاشوا وبعضهم عملوا في فرنسا وهم فرنسيون بالجنسية والتربية والثقافة والطموح. وقد حضر الى التلفزيون يوم الخمس 4 يوليو الحالي الوزير باتريك ديفاجيان وزير الحريات وهو من اصل ارمني، ليتحدث عن الاندماج وضرورة احترام الدين الاسلامي وشعائره كحرية اساسية من حريات المواطنين الفرنسيين المسلمين، وكذلك ضرورة اعطائهم حقوقهم في الشغل كأي مواطن آخر، تصبح فرنسا كما كانت دائما مجتمعا متعدد الاعراق والثقافات ينصهر ابناؤه في قالب الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات. وذكر الوزير بفضل المغرب العربي في تحرير فرنسا في الاحتلال النازي الالماني اثناء الحرب العالمية الاولى ثم الثانية، حيث جندت فرنسا مئات الآلاف من آبائنا وأجدادنا للدفاع عن ترابها وشعبها وحريتها، ومات ضحايا بمئات الآلاف تحت العلم الفرنسي.. كما مات عشرات الآلاف من جيل المهاجرين المغاربيين الاوائل وهم يبنون الطرقات السريعة والسدود والجسور والعمارات والمصانع والمناجم ويحفرون الانفاق تحت المدن وتحت الجبال، حتى تكونت لفرنسا بنية «تحتية عظمى» بسواعد عمالنا المسلمين على مدى خمسين عاما. ثم ان فرنسا كانت امبراطورية استعمارية تحكم بلاد المغرب العربي حوالي قرن من الزمن وتتحكم في خيراته وتتوسع في فضائه، ولنا مع فرنسا تاريخ من العواطف والعواصف. ونعتقد مخلصين ان لدول المغرب العربي رسالة كبيرة حتى تنسق مواقفها وتخاطب الطبقة الحاكمة في فرنسا بلغة واحدة، هي لغة المصير المشترك على ضفتي البحر الابيض المتوسط الذي يجب ان يظل بحيرة سلام. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر