تعرف الولايات المتحدة الأميركية ان دول الاتحاد الأوروبي تحولت الى قوة اقتصادية وسياسية تشكل عبئا عليها ان تواجهه، خاصة أن اوروبا، بدأت منذ وحدتها تتمرد على العديد من القرارات الأميركية وكان آخرها قرارها اعلان الحرب على حركة طالبان وتنظيم القاعدة، اذ رفضت العديد من دول الاتحاد الأوروبي مشاركة القوات الأميركية في الحرب لكي لا تكون تابعة للارادة الأميركية، وهذا خلافا لما كان الحال عليه في حرب الكويت عندما شاركت دول الاتحاد الاوروبي الولايات المتحدة الأميركية مشاركة فاعلة. فدول الاتحاد الأوروبي تريد ان تجسد كيانها المستقل عن المظلة الاميركية وتريد ان تكون لها استقلاليتها في اتخاذ القرار، وان يكون لها دور ومكانة عليها ان تلعبها في الترتيبات الجارية للنظام الدولي الجديد الذي تريد الولايات المتحدة الأميركية ان تنفرد بادارته. وما يؤكد ذلك موقفها من خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الذي طالب بتغيير القيادة الفلسطينية كشرط اساسي لموافقة ادارته على اعادة المفاوضات واقامة ما اسماه بالدولة الفلسطينية (المؤقتة)، فدول الاتحاد الأوروبي قالتها صراحة انها ترفض المنطق الذي يتعامل به الرئيس الاميركي مع قضية الشرق الاوسط، لانه من غير المنطقي ان يطلب رئيس اكبر قوة في العالم من شعب محتل ان يعزل قيادته ويشترط عليهم ان يختاروا من يرضى عنهم، مع ان الولايات المتحدة الأميركية تدعي احترام ارادة الشعوب في اختيار من يحكمها. الادارة الأميركية ترى ان مواقف دول الاتحاد الأوروبي من العديد من القضايا تعتبر مساسا (بمصالحها) ويمكن ان يشكل ذلك تحديا لسياستها الدولية.. فالدور المتنامي لدول الاتحاد الأوروبي يلقى قبولا دوليا وخاصة من جهة العرب الذين يأملون ان يملأ الأوروبيون الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفييتي لكي لا تتطاول الولايات المتحدة على ارادة الشعوب وتمارس عليها الاستبداد السياسي.. ان أوروبا تعرف ان الولايات المتحدة تعمل جاهدة على ابعادها من عملية السلام، لأنها تعرف ان العرب يقتربون من أوروبا اكثر ما يقتربون من الولايات المتحدة وهذا هو الذي جعل رئيس الحكومة الاسرائيلية يرفض للوفد الأوروبي مقابلة عرفات عندما كان محاصرا في رام الله، لأنه لو سمح للوفد بالمقابلة فان ذلك سوف يفتح الباب على أوروبا في ان تتدخل في شئون المنطقة.. التي تعتبرها الادارة الأميركية منطقة نفوذها المباشر. ان العديد من الدول الأوروبية الفاعلة، كفرنسا، اصبحت تعلن صراحة عن رغبتها في الانفصال عن المظلة الأميركية، بل ان هذه الدول بدأت تطالب بأن يكون لأوروبا دور مميز في الحياة الدولية الجديدة، لأن تعقيدات البيئة الدولية وما افرزته من مشكلات دولية تتطلب مشاركة كل القوى الفاعلة في ادارة الشئون الدولية والازمات.. وقد عبرت فرنسا صراحة بلسان الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن التصور الأوروبي لادارة الازمات فقال فيما قاله: ان أي قوة دولية مهما كان وزنها العسكري والاقتصادي لا يمكن لها ان تدير الحياة الدولية بمفردها من دون اشراك الحلفاء الرئيسيين، وقد لقي تصريحه سخط بعض صناع القرار في الادارة الأميركية الذين فسروا التصريح الفرنسي بأنه تلميح للولايات المتحدة الأميركية على أن اوروبا يجب ان يكون لها دور في ادارة الازمات باعتبارها لاعبا جديدا يجب ان يحسب له حساب. وتقود فرنسا التوجه الأوروبي الجديد وخاصة بعد عودة الديغوليين الجدد الى الحكم برئاسة جاك شيراك الذي ما انفك يعلن صراحة وعلانية عن الحلم الاوروبي في احياء مجد أوروبا القديم، ولذلك نلاحظ ان معظم الدول الأوروبية بدأت تعمل جاهدة على التقرب اكثر من الدول العربية والدول الافريقية كمحاولة منها للحفاظ على علاقاتها ومصالحها الاقتصادية والتجارية مع هذه الدول، لأنها تعلم ان الولايات المتحدة الأميركية تريد ان تستحوذ هي الأخرى على كل مصادر وثروات العالم. فأوروبا بعد اتفاقية ماستريخت والتي وضعت نواة للاتحاد الأوروبي وساهمت بشكل كبير في انجاح مشروع العملة الموحدة، اعطت الاتفاقية أوروبا شعورا بأن الوقت حان لكي تقول كلمتها ويسمع صوتها وتريد ان يكون لها مكان في الترتيب الجديد للنظام الدولي. حتى خلال حرب الولايات المتحدة على ما أسمته بالارهاب الدولي في افغانستان لم تتلق مساندة كاملة من دول الاتحاد الأوروبي باستثناء بريطانيا التي شاركت في العمليات العسكرية، الا ان بقية الدول، حتى وان كانت اعلنت تأييدها للولايات المتحدة الأميركية، تحفظت في الانسياق الاعمى خلف المشاريع الأميركية لمحاربة الارهاب، وهذا يظهر ان الدول الأوروبية حتى وان كانت لاتزال غير قادرة على الانسلاخ من المظلة الأميركية الا انها بدأت تأخذ قرارات جريئة تعبر عن كيانها المستقل، ويتأكد ذلك من خلال تعاطيها مع ملف الشرق الاوسط والذي تتبنى الدول الأوروبية فيه موقفا مختلفا كليا عن التصور الأميركي للسلام في الشرق الاوسط، فالتصور الأوروبي يلقى قبول الاطراف العربية لأنه يرتكز على القرارات الدولية ويدعو الى قيام دولة فلسطينية، بغير التصور الاميركي الذي لا يزال رهينة للتصور الاسرائيلي ويعمل على ابقاء الوضع على ما هو عليه واضعاف السلطة الفلسطينية من الداخل وارغامها على الدخول للمفاوضات وهي ضعيفة ومختلة لكي لا يتبقى لها الا التوقيع على اتفاقات تراعي المصالح الاسرائيلية. ويلاحظ ايضا ان المانيا وبريطانيا الى حد ما بدأتا تقتنعان بالتوجه الفرنسي نحو تعزيز العلاقات مع الدول العربية بالاساس، ولذلك بدأنا نلحظ بعض المساندة للدول العربية في صراعها مع اسرائيل، وهو توجه على الدول العربية ان تستغله لانها بحاجة الى مظلة دولية لخلق التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل.. ولكن الولايات المتحدة الأميركية تعمل جاهدة على تطويق الدول العربية وابقاء النزاع مع اسرائيل ضمن الاختصاص الاميركي من دون اشراك الطرف الأوروبي فيه. ومن هنا يتعين على الدول العربية ان تلعب لعبة المصلحة المتبادلة مع دول الاتحاد الأوروبي، من خلال التقرب اليها واقامة شراكة تجارية واقتصادية معها، لمحاولة التأثير على الطرف الأميركي المنحاز كليا الى صف اسرائيل. ـ كاتب جزائري