في المجتمع البشري قاطبة تختلف النظم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية بعضها عن بعض في مدى تحملها او عدم تحملها للاعراب، عن الرأي المخالف او المختلف، وفي مدى استعدادها او عدم استعدادها للاستماع الى هذا الرأي، وفي مدى انفتاحها الفكري النفسي القيمي على ذلك الرأي او انغلاقها عليه. وهذه الاختلافات مردها اسباب، منها طريقة التنشئة المنزلية والمدرسية: هل هي التنشئة على تحمل الرأي الآخر المخالف ام على التبرم به، وتغييبه. ومنها طبيعة التقاليد الاجتماعية الثقافية السياسية القيمية السائدة: هل هي التقاليد التي تفسح المجال للآخر لان يفصح عن رأيه المختلف او المخالف ام التقاليد التي تضيق ذرعا به ولا تطيقه وتريد ان تفتك به اذا نشأ؟ ومن تلك الاسباب ايضا قوة النظام الاجتماعي بالمعنى الاوسع ـ اي النظام الاقتصادي والثقافي والسياسي والقيمي ـ وثقته بنفسه: هل يستطيع ذلك النظام ان يبقى محافظا على نفسه وان يصمد في وجه الآراء المختلفة او المخالفة؟ وهل لدى ذلك النظام الثقة بقدرته على المحافظة على نفسه حيال الافصاح عن تلك الآراء؟ ومن تلك الاسباب ايضا مدى الاختلاف بين لهجة المبدعين من الشعراء والناشرين والكتاب ومضامين كتاباتهم واتجاهاتهم الفكرية، من ناحية، والمناخ الفكري والاجتماعي بالمعنى الاوسع السائد. فكر المبدعين يختلف احيانا كثيرة عن الفكر السائد. المبدع اكثر انطلاقا وأسرع انطلاقا فكرا وعاطفة وخيالا من فكر النظام السائد وعاطفته وخياله. وذلك لان الابداع بحكم تعريفه هو الاتيان بشيء جديد، وان لم يكن كذلك فهو ليس ابداعا. ولا يمكن الاتيان بالشيء الجديد الا بالانطلاق والتحليق ذي الجناحين السحريين. والنظام السائد بحكم تعريفه اقل انطلاقا كثيرا، فكرا وعاطفة وخيالا وذلك لان من وظائف النظام الاجتماعي المحافظة على وجوده، والمحافظة على تناقض مع الابداع. المبدع يريد ان يغير والقائمون على النظام يريدون المحافظة عليه. وفي اي مجتمع تتفاعل القوى الاجتماعية ـ القوى الثقافية والاقتصادية والسياسية ـ الرسمية وغير الرسمية فيما بينها وتتدخل وتؤثر الواحدة منها في الاخرى. والمجال الثقافي من المجالات التي يحدث فيها هذا التدخل والتأثير. وللحياة الثقافية بذورها ويمكن ان يكون لها مجراها الطبيعي ونموها وازدهارها وانطلاقها. والثقافة والحياة الثقافية مستمدتان من واقع المجتمع. وتدخل اية جهة اجنبية في الشئون الثقافية، خصوصا اذا كان قويا وحادا، يمس بالمسيرة الثقافية وبالنمو والتطور الثقافيين. وتنتشر في عدد من البلدان، وعلى وجه الخصوص بلدان العالم النامي، ظاهرة تتمثل في الدعم المعنوي والمادي والذي تقدمه اوساط رسمية وغير رسمية لاعمال الادباء والمفكرين والكتاب وفقا للمعيار السياسي والايديولوجي وليس وفقا لمستواها الفكري والابداعي والادبي. وأحيانا كثيرة تفتقر النتاجات التي تحظى بالدعم الى الاصالة والابداع وينخفض مستواها من ناحية طريقة التناول او الاسلوب، ويحرم ادباء ومفكرون آخرون من ذلك الدعم رغم ابداعهم وأصالة افكارهم، رغم انه تمس لديهم او لدى قسم كبير منهم الحاجة الى كسرة الخبز ليسدوا بها الرمق. ومن الناحية الواقعية لابد من ان يكون للعامل السياسي والايديولوجي دور اكبر في تحديد هوية الاشخاص الذين يحظون بالدعم. ولدعم الاوساط الرسمية وغير الرسمية هذا تجليات. ومن هذه التجليات النهوض بنشر واعادة نشر النتاجات الفكرية والأدبية.