يبدو ان مجتمعاتنا الشرقية ستظل ردحا من الزمن واقعة في براثن بعض العادات الذهنية السقيمة والتي مازالت تعشعش في ذاكرتها السلوكية، تلك العادات التي تمنح المظهر قيمة ووزنا اكبر من الجوهر، وترى ان البريق هو التعبير الاكثر جدارة وجدوى عن حقيقة الاشياء وماهيتها، وماعدا ذلك فهو خارج التفكير والفهم الحقيقي للفرق بين الانسان ومركزه، او ما بين الكرسي وصاحبه، او ما بين ثرثرة اللسان وانتاج اليد. يبدو هذا الوضع جليا في عالم المناصب العليا والمراكز المرموقة حيث ينظر معظم الناس الى ان اجلال وتعظيم وتوقير اصحابها واجب حتمي في كل الاحوال ودون البحث عن ضرورة لهذا التبجيل واذا كان بعض المسئولين لا يسعون الى البحث عن قطيع يحرس جاههم الوظيفي فان الانسان الشرقي جبل على حمل المباخر ودق المزامير، ذلك الانسان الذي قال عنه الفيلسوف الالماني هيجل بانه لا يعرف من الحرية سوى حرية من يحكمه ونحن نزيد بانه لا يعترف بوجود الا وجود من يعلوه منصبا ومركزا ومازلت اذكر ما قاله المفكر الراحل زكي نجيب محمود بان وزيرا بريطانيا كان يقف في طابور لركوب احد الباصات السياحية، دون ان يتنازل احد له عن دوره، ولا ادري ما الذي كان سيحدث لو حصل هذا الموقف في بلداننا الشرقية؟ فالمناصب في الغرب مجرد تكليف ومسئولية وليست ترفا او تشريفا كما يفهم البعض. وفي عالم المثقفين نجد المسألة على النقيض، وهي ان المثقف عندنا يرى نفسه اهم بكثير من بسطاء الناس ويرى انه المسئول المطلق عن معرفة الحق والحقيقة، بل وينظر بازدراء لكل من ليس له علاقة بالقراءة والكتابة، لذلك نرى الكثير من انصاف المثقفين يروجون لاهميتهم ومكانتهم (حتى كانت مجرد معرفة تليفون كاتب كبير)، ويسعون لصنع مريدين لهم ممن تنطلي عليهم هذه الممارسات البهلوانية، والبالونية. عموما ليست هذه المشكلة، بل الامر يتعلق بالمعنى الفعلي للمعرفة ما اذا كانت عبارة عن قراءة او كتابة، او غير ذلك فاذا كانت القراءة او الكتابة او التأمل هي من اهم الادوات للوصول الى اعتاب الحق والجمال، الا ان هذين الاخيرين يكمنان في اشياء اخرى بعيدة عن نظر المتفذلكين، والذين لا يعرفون بان الحياة ليست فقط بين دفتي كتاب او في قراءة فهرس او في التقاط صور مع كبار الكتاب لتدجين البسطاء واعلانهم بعظمة هذا المثقف او ذاك. قال احد الفلاسفة لكناس: انني اشفق عليك من هذا العمل الدنيء، فسأله الكناس: وانت ماذا تعمل يا سيدي فأجابه: اعمل فيلسوفا واقول الحق والمعرفة للناس، فرد الكناس: يا رجل ليس من يعمل بالحقيقة بأصغر من قائلها. خلاصة القول ان المشكلة ليست في المثقفين وانصافهم واصحاب المناصب العليا قدر ما في تركيبة الانسان الشرقي الذي تعود وتربى على اخلاق الخنوع والانصياع.