هل يجدي اسلوب التعامل مع المشكلات بطريقة اعطاء المسكنات من اجل خفض التوتر الدائر بين الاطراف المتشاحنة؟ وهل يمكن ادارة الخلاف بطريقة فعالة لا تتسبب في فقد العلاقة مع الطرف الآخر؟ هذا السؤال يحمل في طياته تحديا حقيقيا لمدى قدرة الانسان على التعامل مع المشاكل التي تحدث له، ومدى تشبثه ـ في الوقت نفسه ـ بالوصول الى حل عملي يحمي تلك العلاقة التي يشوبها مثل ذلك التوتر والخلاف؟. من دون شك ان ردود الافعال تجاه التعامل مع المشاكل الحياتية تختلف من شخص الى آخر بحسب ثقافته ووعيه ومدى انتمائه لتلك العلاقة التي يشوبها الضعف، ويحتويها القلق والانفعال!! وبينما يقف الكثيرون عند مستوى التعامل السطحي مع المشاكل من خلال تعاطي الاساليب البدائية التي تساهم في مضاعفة المشكلة بدلا من الوصول الى مخرج مناسب لها، يصرّ فريق آخر على استخدام وسائل علاجية قادرة على استئصال المشكلة، ونزع فتيل الخلاف. ولو تأملنا حال الفريق الذي يختار الهروب من المواجهة، او الالتفاف على المشكلة عن طريق وسائل التخدير المؤقتة، فان هؤلاء حتما سيدفعون الثمن غاليا حين يكبر الورم، ويتضاعف الالم، وتنمو اسباب الخلاف، وتضرب لها جذوراً عميقة في اساس العلاقة التي تجمع بين الطرفين. من الامثلة العملية على استخدام اسلوب الحقن الموضعي التخديري للمشاكل والازمات العائلية تلك الطريقة التي يتعاطاها الزوجان كوسيلة للتعبير عن وجهة نظرهما الخاصة. ففي مثل تلك الاسرة يغدو الاسلوب الاستفزازي وسيلة شائعة للتعبير عن الرأي، ومحاولة الزام الطرف الآخر بتنفيذ طلب شريكه بغض النظر عن الطريقة التي يتم بها تقديم الطلب المذكور. وحيث ان اللغة الوحيدة التي يفهمها هذان الشريكان للتعبير عن الآراء الخاصة هي اللغة الهجومية العنيفة التي تستخدم فيها كافة وسائل العنف اللفظي والمعنوي من اجل ممارسة نوع من الضغط على اعصاب الطرف الآخر كي يستسلم ويعلن خضوعه التام للطرف المهاجم، وهو الامر الذي لا يتحقق في الغالب، حيث ان العنف يولد عنفاً مضاداً، والشدة تولد شدة اكبر منها. وعندها يصبح الجو بالغ التأزم وشديد الاحتقان، الامر الذي ينذر بوقوع ازمة حقيقية في هذه العلاقة، ما لم يتم الوصول الى تسوية عادلة لمطالب كلا الطرفين. وتعتبر الوسائل التخديرية هي الاساليب الوحيدة المتبعة في تلك الاسر كأن يلجأ احد الطرفين الى انهاء الحديث المتوتر بأن يغادر المكان، ويعلن انسحابه ـ المؤقت ـ من الاستمرار في مثل ذلك الحديث العقيم او ان يلجأ ذلك الشخص الى الوعود الكاذبة، واظهار تأييده لمطالب الطرف الآخر بينما يضمر في اعماقه ألا يستجيب لتلك المطالب، وهو ما يسمح ببقاء المشكلة الى امد طويل طالما انه ليست هناك بوادر حقيقية لاحتواء الخلاف او استيعاب مقاصد الطرف الآخر. في مثل هذه الاجواء الملغمة يصعب على اي طرف ان يثق في اهداف شريكه حيث يتمحور كل من الطرفين على ذاته، وينحي من فكره وجهة النظر الاخرى وهو اعلان صريح عن هشاشة تلك العلاقة وافتقارها الى الحيوية والفاعلية والنماء. وبينما كان المنطق ينادي بتفعيل الحكمة القائلة: «ان العاقل هو من ينجح في التعبير عن رأيه دون ان يجلب له عداوة احد من الناس» إذ بالرأي المضاد الذي تبناه الكثيرون ينادي بذلك المنطق العدائي القائل: «لا يمكن ان تكون صريحاً دون ان تحدث تخريباً فعليا في علاقتك بالشخص الآخر». وبين هذين الرأيين وقفت آلاف الاسر تبحث لها عن مكان فسيح يستوعب الخلاف، ويستثمر التنوع الموجود لاثراء الحياة الاسرية لا القضاء عليها. وهي القضية التي يطمح كل مخلص في ان تكلل بالنجاح، فما من قوة للمجتمع تضاهي تلك الروابط القائمة على الاحترام المتبادل، واستثمار التنوع في ايجاد فرص حقيقية لكي تنمو الافكار على مائدة الحوار.