عندما يشعر الإنسان بالعجز الكامل تجاه ما يحيط به على وجه الإطلاق، وعندما يستسلم أو تسلب إرادته طوعاً، أو كرهاً، فإنه لا ملاذ أمامه غير أن يردد «حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله هو مولانا نعم المولى ونعم النصير». أبدأ هكذا، فخطاب سيد البيت الأبيض الذي طال انتظاره قد قطع كل الشكوك، وأجهض أقل الآمال، وأصغرها، وحافظ على بقاء الكرة بين أقدام الصهاينة يلعبون بها كيفما شاءوا، لا شرعية تحدهم، ولا قانون يردعهم، بل الأدهى أنه كلما حاول الفريق الفلسطيني امتلاك الكرة والسيطرة عليها تدخل راعي اللعبة الأوحد، وأوقف اللعب وأعاد الكرة للصهاينة ليفعلوا بها ما يحلو لهم، والكرة هنا ليست سواء إرادة الفعل، وإرادة رد الفعل على أقل تقدير!! هذا وفي الوقت الذي كان صدى الخطاب السياسي لبوش يتفاعل في الساحة الدولية، قامت مصادر أميركية إعلامية بالإعلان عما قيل أنه خطاب موجه لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جوزيف بلاتر، من القطب الأوحد في الكرة الأرضية، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، كشفت هذه المصادر النقاب عن نسخة الخطاب المرسل، وفيه مقترحات تصل إلى درجة التعليمات التي يجب تنفيذها، وتوصيات تتجاوز حاجز القرارات التي يرى البيت الأبيض التقيد بها، وتفاصيل ما جاء في هذا الإعلان عبّرت عن جهل لا حدود له بكرة القدم وقانونها، ونظام بطولة كأس العالم، لكن وما بعدها هو المهم، فعنوان هذا الخطاب لا يخرج كثيراً عن مضمون روح السيادة التي تشعر بها، وتمارسها الإدارة الأميركية مع الآخرين، وعلى كافة الأصعدة، سواء كانت سياسية أو خلافها، الغريب في أمر هذا الخطاب انه لم يصل إلى الفيفا بعد، ومن مصدر موثوق به داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم أكد أن بلاتر حتى كتابة هذه السطور لم يتشرف بعد باستلام الخطاب، وإن كان يبدو في شوق لاستلام أي شيء من الراعي الرسمي والأوحد للكرة الأرضية، ولو استلم هذا الخطاب بالفعل لباشر فوراً بنشره في موقع الاتحاد الدولي لكرة القدم على الانترنت على الأقل، كما حدث بالفعل مع الخطاب الذي أرسله أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان عشية ختام بطولة كأس العالم، وقام بنشره في الموقع بلمح البصر. لا يهم هنا إذا كان الخطاب وصل إلى بلاتر أم لا، والأهم في تقديري أن كشف النقاب عن مضمون خطاب كالذي أعلن عنه ومن مصادر أميركية وتمريره للإعلام يحمل في ذاته اكثر من رسالة، لعل أهمها أن ينشغل العالم بخطاب آخر لبوش، حتى وإن كان هذا الخطاب مجرد مشروع، المهم أن يستقطب اهتماما موازياً للخطاب المقلب الذي صار محل حوار واسع في العالم، والمصادر الإعلامية الأميركية تعلم تماماً أن ما بين الرياضة والسياسة أكثر بكثير من خيط رفيع، خلافاً لما يعتقده البعض في عالمنا العربي والإسلامي، فالمؤسسة الرياضية الدولية «الفيفا» تتكون من الاتحادات الوطنية المنظمة لها، وتمثل دولا أكثر من تلك الدول المنظمة للأمم المتحدة، وعندما يتسرب أو يكشف النقاب عن خطاب من المستر بوش للمستر بلاتر وفيه أعراض ونوايا التسلط الأميركي على مجال اللعبة الشعبية الأولى في العالم، فإن هذا حتماً سيجذب اهتمام العالم، وسيبدأ الكلام عنه، وسيكون عرضة لتداوله على نطاق واسع. والمهم هنا أن الخطاب السياسي صار بجانبه خطاب رياضي ®®®. كلاهما يحمل صورة لتسلط الإدارة الأميركية، صحيح أن في الخطاب الأول التسلط قائم بالكلام، وبالفعل، وبالأمر، وهو حاله واقعية، بينما الوضع في الثاني يختلف، فبداية التسلط حتى الآن بالكلام، لكن بالتأكيد ستتبعه محاولات للتسلط بالممارسة، والفعل، وهذا ما سيكشف عنه المستقبل، وإذا كان من ملاحظة فقط فإن الخطاب الرياضي تتصدى له هيئات شعبية عبارة عن اتحادات وطنية للعبة، وهي قادرة حتماً على الدفاع عن أصول وجذور ومكتسبات اللعبة في العالم، وهي لا تخضع مطلقاً لأي نوع من أنواع النفوذ الأميركي المتسلط، ولا تجلس أميركا في المنظمة الرياضية في الصفوف الأولى، ولا تملك حق الفيتو لتهدد به من يخالف إشارتها، ويعارض رغبتها، ولا تملك في المنظمة الرياضية الأسباب التي تجعلها قادرة على تحديد محور الشر فيها . الوضع فيه فارق كبير فالخطاب السياسي تتعامل معه الأنظمة بحسابات مختلفة، والعصا الأميركية غليظة بما فيه الكفاية، والبيت الأبيض كان يحضر قبل 11 سبتمبر لأن يصبح كلامه قانوناً عالمياً يلتزم به سكان الأرض، وأن تصبح نظرياته في معالجة قضايا العالم هي التشريع الأوحد، بحيث تصبح أميركا المرجعية الأولى وليس لأحد مرجعية بعدها. لهذا أصبحنا أنظمة وشعوباً نتفرج ليل نهار على ما يلاقيه إخواننا في فلسطين، ونتابع كرهاً كل المآسي والمجازر التي يكابدونها دون أن نحرك ساكنا، بل دون أن نملك القدرة على فعل شيء، وفي ذات الوقت فإن العصا الغليظة تجعل البعض مستمراً في التنقيب في الخطاب الأميركي إياه، ليجد فيه ما يحسن الصور القبيحة التي فيه، وإذا لم يجدها وهو لن يجدها حتماً، فلا مانع عنده أن يتخيلها ويفترض وجودها، وهل لنا بعد كل هذا غير أن نردد «حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله هو مولانا نعم المولى ونعم النصير» والله المستعان.