منذ إثنين وأربعين سنة، بالتحديد عام ستين، شهر يناير، سافرت إلى الأقصر وأسوان ضمن فريق الكشافة بالمدرسة الثانوية الفنية، التي التحقت بها عام تسعة وخمسين، قطعنا مسافات شاسعة سيرا على الأقدام، تجولنا في البر الغربي للأقصر الذي أقيم فيه الآن وأنا أدنو من نهاية العقد السادس. أذكر زيارتنا لوادي الملوك ، وارتقاءنا الجبل ونزولنا إلى وادي الملكات. حقا.. شتان ما بين زيارة وزيارة. في هذه المرة أجئ مزودا بالمعرفة التي تشرح وتفسر ما أراه، فرق كبير بين أن يرى الإنسان لوحة ولا يعرف شيئا عن الرموز التي تحويها، والعصر الذي انتجت فيه، وأن يقف أمامها مزودا بالمعلومات والرؤية والخلفية الثقافية، هذا هو بالضبط الفرق بين زياراتي في العقود الماضية وتلك التي أقوم بها إلى الآثار المصرية القديمة في السنوات العشر الأخيرة، ولذلك تبدو رؤيتي الآن وكأنها الأولى، ولا أعلم ما يمكن أن أتوصل إليه بعد اتقاني اللغة المصرية القديمة التي بدأت محاولات الإلمام بها خلال السنوات الأخيرة. بعد أن عشت لحظات الشروق والغروب، قصدت دير المدينة، إنها قرية الفنانين والحرفيين الذين قاموا برسم وحفر المقابر والمعابد في البر الغربي وربما جاء قراري أن أبدأ بزيارتي لهذا المكان متأثرا بزيارتي في مايو الماضي للمعرض الكبير المقام حتى الآن (يوليو) في متحف اللوفر والمخصص للفنانين الذين أقاموا وعاشوا وماتوا في هذه القرية، دير المدينة. بدأت سيري إليها في الصباح الباكر، ذروة تدفق السائحين في المزارات الأثرية ما بين السادسة صباحا والعاشرة والمواقع مفتوحة للزيارة حتى الخامسة بعد الظهر، وأفضل الأوقات ما بعد الثانية عشرة وحتى نهاية الوقت المسموح به، هذا ما اتبعه في الشتاء حيث تزداد كثافة الزائرين، ولكنني في الصيف، في أشد شهور السنة حرارة، بؤونة، طبقا للتقويم المصري القديم، الموافق ليونيو. عدد السائحين أقل وفي منتصف النهار تبلغ الحرارة أقصاها. عندما وصلت إلى قرية الفنانين كانت الشمس لا تزال في بداية رحلتها اليومية التي منها يتحدد اليوم، ولم يكن هناك أي زائر في الموقع كله، كان الدكتور سلطان كبير مفتشي آثار القرنة في انتظاري، توقفت معه، أرقب موقع القرية، أقارن بين ما رأيته في الصور الضخمة التي شاهدتها في اللوفر، والملتقطة على امتداد ستين عاما، منذ أن بدأ التنقيب عن القرية التي كانت مطمورة تحت الرمال وحتى ظهور معظم تخطيطاتها وما تبقى منها. الموقع لا يقل في أهميته عن موقع وادي الملوك، كلاهما قصى، سر، بعيد عن الأعين، تحيط به التلال الصخرية المؤدية الى وادي الملوك حيث المقابر العظمى التي حفرها هؤلاء الفنانون الذين نعرف الآن أسماء بعضهم وملامحهم من خلال ما تركوه من لوحات على الجدران أو تماثيل منحوتة، المكان تم اختياره بعناية انه قريب من منازل الأبدية (القبور) ، بعيد عن الفضوليين، يضم كل ما يحتاج اليه الإنسان من مولده حتى مماته، البيوت لا تزال جدرانها أمامنا، ما تبقى منها واضح بتخطيطاته، وعلى سفح المرتفع الغربي تبدو قبور الفنانين، أمتار قليلة تفصل ما بين مقار الحيوات ومقار الأبدية، أي أن الإنسان كان يعيش ويموت في هذا المكان. ان السؤال دافعنا في معظم الأحيان للمعرفة، وبالنسبة لي كانت التساؤلات عديدة منها على سبيل المثال: نحن نرى الاهرام، والمعابد الكبرى، والمقابر المنقوشة، لكننا لا نعرف الكثير عن أولئك الذين صمموا، ونفذوا هذه النقوش الرائعة، من هم ؟ وكيف تم اختيارهم، وكيف تعلموا ؟ ما هي المواصفات التي كان يحب أن تتوفر في هؤلاء الفنانين الذين يرسمون الملك وصور الآلهة، من حدد شكل ايزيس، وأوزير، وحورس، وحتحور ؟ طبقا للعقيدة المصرية القديمة، فإن رسم شخص ما يعني معادلاً موضوعياً تاماً لوجوده ، لسعيه ليس في الحياة الدنيا فقط، انما في الأبدية أيضا، لذلك كان خصوم الإنسان يدمرون بعض الملامح في الرسوم، خاصة الأنف لحرمانه من الحياة في الآخرة، اذن ما هو شعور الفنان الذي يرسم صورة الإله أوزير أو ايزيس، ومن يحدد له الملامح ؟ خاصة أن الملامح متشابهة على امتداد آلاف السنين. تبدو قرية الفنانين وكأنها مكان خاص جدا، معزول الى حد ما، على حافة الصحراء، أكاد أرى مسافة الحياة الإنسانية ما بين منازل هؤلاء الفنانين التي لا تختلف كثيرا عن منازلنا التقليدية في صعيد مصر، وقبورهم المحفورة في المرتفع الصخري المطل على بيوت القرية، والمعبد القائم الى الشمال. كان هؤلاء المبدعون يتوارثون التقاليد أبا عن جد، ويتحملون أصول الفن منذ الصغر، وكان هذا كله يتم تحت اشراف رجال الدين. ويبدو أن الأساطير المتوارثة عن هؤلاء العمال والفنانين غير صحيحة، ولا يزال بعضها ساريا بين الأهالي في الأقصر ، تقول الحكايات أنهم كانوا يقادون معصوبي الأعين الى أماكن المقابر الملكية، وأنهم كانوا يقتلون بعد تمام انجازهم حتى لا يبدعون مرة أخرى كما أبدعوا، ليس هذا في رأيي من الحقيقة في شيء، الفنان الذي يعرف أن مصيره القتل لا يمكن أن يواصل الإبداع بهذه الروعة، وقد أثبتت الأبحاث التي قام بها علماء الآثار، وما وصل الينا من آثار تلك القرية أنهم كانوا يعيشون في ظروف جيدة وطبقا لتنظيم جيد، وإن كانت السرية طابعا عاما للمكان ولما يقومون به لارتباط عملهم بمراقد الملوك الأبدية وما تضمه من كنوز. أمضي في الصباح الباكر متجولا بين ما تبقى من جدران، الحفر المؤدية الى عمق الأرض، مخازن الحبوب، والغلال، المنازل متشابهة، تنتظم في مجموعات، كل مجموعة تشكل منظومة منفصلة، كلها مبنية من الطوب اللبن، نفس المادة التي استمر استخدامها لآلاف السنين، حتى بدأ الطوب الأحمر يحل مكان الطوب اللبن في الريف المصري، وفي القرنة أيضا. السقوف صنعت من جذوع النخيل، وهذا مستخدم حتى الآن في البيوت التي تبنى طبقا للنظم التقليدية، تتكون البيوت من طابق أرضي يضم أربع حجرات، وسلم يؤدي الى السطح، الجدران مكسوة بالجص، أحيانا كان يوجد عليها بعض اللوحات التي تصور الحياة اليومية، وظاهرة الرسم على الجدران تنفرد بها الحياة المصرية وتستمر حتى الآن فيما يعرف برسومات الحج، فمن عادة المصريين بعد العودة من الأراضي المقدسة أن يزينوا واجهات بيوتهم بلوحات يرسمها فنانون شعبيون للكعبة والروضة الشريفة مع وسيلة الانتقال التي تنوعت من الجمال، الى السفن الى الطائرات الآن. في القرية منازل أكثر اتساعا، داخلها أعمدة من الحجر، ومن الواضح أن قاطنيها كانوا من مستوى اجتماعي متميز، ربما كانوا من كبار الإداريين الذين يشرفون على شئون الحياة، وربما كان بعضهم من المعلمين الكبار الذين يلقنون الفنانين أسرار الرسم، وحروف الكتابة، كنت أتجول بين بقايا البيوت التي يسودها صمت عميق في تلك الناحية النائية، وأكاد أصغى الى الأصوات المندثرة، الأصوات التي كانت تشكل الحياة اليومية، ما تبقى موجود الآن في القرية وفي مختلف متاحف العالم، قطع الفخار، أجزاء من صناديق، أدوات نحاسية، منازل للنسيج، قطع من حصير وأجزاء من لعب الأطفال، وبرديات حوت نصوصا دينية وأدبية ونصوصاً رياضية وتعليمات وحسابات خاصة بالبناء وتكاليف المواد المستخدمة وأرشيف المعبد، ثمة مقابر قليلة وصلت الينا سليمة، أهمها على الإطلاق مقبرة رئيس العمال (كا) والذي توفي في حوالي عام 1390 قبل الميلاد ومحتويات هذه المقبرة نقلت بالكامل الى متحف تورينو بإيطاليا، وتضم كل الأثاث الجنائزي ومواد الحياة اليومية، من ملابس وأدوات تجميل وأدوات طعام، لقد وصل الى عصرنا محتويات مقبرتين كاملتين، الأولى لرئيس العمال (كا) والثانية للملك الشاب توت عنخ آمون، وكلاهما يكمل الآخر، مقبرة أحد أبناء الشعب، ومقبرة ملك لم يعمر طويلا في الحكم. بعد أن أمضيت عدة ساعات في التجوال بين ما تبقى من البيوت، بدأت أصعد المرتفع الصخري قاصدا بعض المقابر، وبالتحديد مقبرة أحد هؤلاء الفنانين التي توجد بها لوحة جدارية شهيرة له وهو يسجد مصليا، سجدة تماثل تماما سجدة الصلاة كما نعرفها نحن المسلمين في صلاتنا، كنت راغبا في رؤية أصل هذه اللوحة، وفي نفس الوقت رؤية شغل الفنان لنفسه.