ما ان وقفت امام مكتب الاستقبال لعمل اجراءات الاقامة في الفندق الذي كنت انزل فيه في العاصمة البريطانية لندن حتى وجدت شابا خليجيا يهرع نحوي مسرعا ومستنجدا بي قائلا: الحقني يا أحمد سرقوني. شكل الموقف مفاجأة لي وكان اول رد فعل لي هو اني قبضت على حقيبة يدي وتحسست جيوبي بشكل لا ارادي، ثم قلت له: اهدأ ماذا حدث؟ قال جئت مع ابي صباح اليوم لاجراء عملية جراحية له وبينما كنت اجلس هنا في بهو الفندق مع ابي في انتظار قيام الموظفين بعمل اجراءات الاقامة، ظهر شخص وقال لي بالانجليزية: هل انت محمد؟ قلت نعم، قال هناك شخص في سيارة يطلبك في الخارج، فتركت امتعتي وحقيبة يدي التي كان بها ما يزيد على خمسة عشر ألف جنيه استرليني نقدا، بجوار ابي الكبير في السن، وخرجت لأتبين الامر، وما ان وصلت الى باب الفندق الخارجي حتى سمعت ابي يصيح، فرجعت مسرعا فقال ان شخصين احدهما شاغله والآخر خطف حقيبة اليد وفر من هذه الجهة فجريت مسرعا في الاتجاه الذي اشار اليه ابي فإذا به باب خلفي للفندق، ولم اعثر على اي اثر لهما فرجعت الى ادارة الفندق فقالوا انهم ليسوا مسئولين وبهو الفندق مكان عام، ورغم ان كل شيء هنا قد صور بالكاميرا الا اني اشك في وجود تواطؤ بين ادارة هذا الفندق الفاخر الذي يقصده كثير من السياح العرب وبين اللصوص، لا سيما وان ادارة الفندق قدمت لي بعض التسهيلات بعد وقوع الحادث صباح اليوم، فقلت له: ولماذا تحمل هذا المبلغ الضخم نقدا قال: انه مبلغ خاص بأتعاب عملية جراحية جئنا لعملها لأبي. شعرت اني في مأزق، فقد تعودت من الناس ان يتحدثوا معي في السياسة والصحافة وبرامج الجزيرة، اما ان يستنجد بي شخص لأساعده في قضية مثل هذه فقد كان الامر بمثابة مفاجأة، الا اني بعد تفكير قصير قلت له ان لم تكن قد بلغت سفارة بلدك فأبلغها بالأمر وعليك ان تقوم بعمل محضر في البوليس، وتضغط به على ادارة الفندق، وأنا اعرف محاميا عربيا هنا من الاصدقاء سوف اتصل به لاستشارته في الامر، وكان موظف الاستقبال قد انهى اجراءات دخولي للفندق فأعطيته رقم غرفتي وهواتفي، وأصبح صاحبي هذا جزءا من اعمالي التي هي في الاصل كثيرة ولا اجد وقتا للراحة منها الا انه لم يكن يحفل بشيء الا بمشكلته وكأنه قد اصبح من بين واجباتي ان احصل له على ما سرق منه، فأصبح يتصل بي في اي وقت حتى بعد منتصف الليل احيانا ويطلب مني ان ألقاه حتى يطلعني على تطورات الموضوع ومستجداته، وكأن لسان حاله يقول لي: طالما اني مشاهد لبرامجك فعليك ان تقوم بواجباتك نحوي، ورغم ان ذلك كان يرهقني الا انه كان يسعدني في الوقت نفسه ويخفف عني في بعض الاحيان ضغوط عملي حيث تعاملت مع نوعية طيبة وصافية من الناس الذين احبهم وهؤلاء هم هدف اللصوص الاول في لندن وفي هذه الفنادق الكثيرة التي ينزل فيها العرب حول حديقة الهايد بارك تبقى دائما مرتعا للصوص الحقائب. وكنت قد قرأت للدكتور سهيل الاسطة في بريد صحيفة القدس العربي في شهر فبراير الماضي كيف تعرض لحادث سرقة مماثل في فندق كامبرلاند المواجه للماربل ارش وهو احد هذه الفنادق المحيطة بحديقة هايد بارك، وكثيرا ما تؤدي مثل هذه الحوادث الى احباط شديد في نفوس الناس حيث تتحول مخططات الرحلة التي كانت للمتعة الى اقسام البوليس والى نكد يترك اثاره السيئة في النفس، اما اشكال السرقة وفنونها فقد سمعت ممن سرقوا في لندن الكثير من القصص العجيبة عنها، لا سيما وأنها اصبحت تشمل كل شيء حتى بلغ عدد هواتف الموبايل التي سرقت في بريطانيا في العام الماضي حسب الاحصاء الذي نشرته منظمة كونتننتال ريسيرش البريطانية مليونا وثلاثمئة ألف موبايل، كما انتشرت عمليات سرقة المحافظ الشخصية لاسيما في المناطق المزدحمة مثل بيكاديلي وشارع اكسفورد حيث يتكاثر العرب والسياح بشكل عام. اما في باريس فقد كنت امشي في الشانزليزيه واتحدث في الهاتف النقال حينما صادفني شاب تونسي تعرف علي ثم نصحني بالحرص اثناء استخدامي للموبايل في الشارع حيث تنتشر عمليات خطف الموبايل من الناس في الشوارع اثناء الحديث وكذلك حقائب اليد الصغيرة لا سيما في الشوارع المزدحمة مثل الشانزليزيه وكذلك النشل، وقد اطلعت على دراسة حول نشل السياح في باريس جاء فيها ان عدد الذين ابلغوا عن نشل محافظهم صيف العام الماضي اكثر من ثلاثة عشر ألف سائح، فباريس حسب مجلس بلديتها يزورها سنويا حوالي عشرة ملايين سائح وهؤلاء عادة ما يكونون عرضة للصوص، وقد اصبحت باريس من اكثر دول اوروبا عرضة للجريمة، وأخبرني صديق يتردد بانتظام على باريس منذ ثلاثين عاما انه لم يعد يشعر بالامن الذي كان يشعر به من قبل حيث ازدادت الجريمة كما تقول قيادة الشرطة في باريس بنسبة اثنى عشر في المئة في العام الماضي عما كانت عليه من قبل لا سيما جرائم الشوارع، والعجيب ان وزارة الخارجية الاميركية حذرت الرعايا الاميركيين الذين يقصدون باريس للسياحة من جرائم السرقة الشائعة هناك. كل هذا طبعا لن يغير مقاصد الناس في السفر والسياحة لا سيما وان الكثيرين يخططون الآن لقضاء اجازاتهم، لكن ألاعيب اللصوص دائما تتغير، وربما الحذر منها يدفع الناس للاستمتاع باجازاتهم بشكل افضل بدلا من قضائها بين اقسام الشرطة.. وقانا الله وإياكم شرور وألاعيب لصوص لندن وباريس. ـ كاتب واعلامي مصري