في رؤيته المعقدة الضبابية للتسوية، رهن الرئيس جورج بوش الابن قضية الاستقلال والدولة الفلسطينية بتقعيد نظام فلسطيني بديل، ديمقراطي سياسيا، ليبرالي رأسمالي إقتصاديا، وهو بذلك أعلن انحيازه للقائلين بأولوية الديمقراطية على التحرر الوطني. غير أن الصلة الجدلية بين هذين البعدين، التحول الديمقراطي والتحرر الوطني، لا ينبغي أن تؤخذ بهذه البساطة، إنها موضوع خلافي استهلك وقتا وجهدا كبيرا من لدن الفقه السياسي، لاسيما المتعلق بقضية الاستعمار والتحرير. وعندما يأتي تشخيص هذه الصلة في المثل الفلسطيني من قبل قوى مشكوك في ذمتها الديمقراطية والتحررية إزاء الطموحات الفلسطينية، فلابد أن نلزم الحذر في التعامل مع المسألة برمتها. قبل اقتراحات بوش ونصائحه التي طرحت بشكل غير لائق، أدرك الفلسطينيون جدارتهم بحركة سياسية تعمل على تحقيق طموحاتهم الوطنية بدون إهدار للمحتوى الديمقراطي، وهم بذلوا على الصعيدين النظري والتطبيقي محاولات مضنية بحثا عن نقل هذا الإدراك من حيز الفكر إلى أرض الواقع. وغالبا ما اقترن هذا البحث بتقييمات سلبية لأداء النظم التي انتجتها حركتهم الوطنية في مسارها الطويل، وآخرها سلطة الحكم الذاتي. وفي هذا السياق لم يكن الفلسطينيون بحاجة لمن يذكرهم بالديمقراطية وفروضها، لكنهم للحقيقة لم يكونوا بدعا من تجارب الشعوب الخاضعة للإستعمار التي تتساءل عن الأولويات وكيفية تحقيق المعادلة الصعبة بين إنجاز الاستقلال وبلورة حياة ديمقراطية سليمة، وما زاد في تعقيد هذه المعادلة وإحالتها إلى إشكالية كبرى، خصوصية القضية الوطنية ذاتها كون الفلسطينيين يواجهون إستعمارا استيطانيا يتطلع إلى استئصال وجودهم العضوي كليا، فكيف الحال بالنسبة لوجودهم وكينونتهم السياسية؟ الذين أخذوا هذه الخصوصية بعين الجدية، كانوا ومازالوا في حيرة من أمرهم بشأن الرأي المؤيد لضرورة الديمقراطية، الحريص عليها، بغض النظر عن ظروف الحركة السياسية الفلسطينية، هذا الفريق لا يرغب في معارضة هذا الرأي، لكنه لا يغلو في جلد هذه الحركة وتبكيتها بسبب غياب الإجراءات الديمقراطية عن نظامها الذي مثلته مطولا منظمة التحرير الفلسطينية. وفي معالجته الهادئة للقضية نعثر على تساؤلات معقولة إلى حد بالغ مثل: هل كان بوسع النظام الفلسطيني إجراء انتخابات عامة تحت القصف الإسرائيلي في الأغوار أو في جنوب لبنان؟ وهل يصدق على هذا النظام ما يصدق على النظم المعتادة في الدول المستقلة ؟ وقد يرد البعض بالإيجاب، لأن منظمة التحرير لم تكن نظاما سريا بالمطلق، وهي منذ البداية قامت بنيويا على شاكلة النظم المستقلة بأجهزة تشريعية وتنفيذية وقضائية واضطلعت بوظائف أكثر إتساعا وعمقا مما قامت به حركات تحرر ومنظمات ثورية أخرى. وهذا يستوجب محاسبتها على هذا الأساس. ومع ذلك، يبقى من الصحيح أن النظام الفلسطيني كان افتراضيا ورمزيا بأكثر منه واقعا منضبطا يمكن اخضاعه للمساءلة الديمقراطية، يظهر ذلك في تدخل الإرادات الخارجية في تضاعيفه، وتحكمها المطبق في قواعده الشعبية المنتشرة على مساحة واسعة في الملاجئ. حقا كان لمنظمة التحرير هيئتها التشريعية (المجلس الوطني الفلسطيني) لكن من قال انها تمتعت بهامش حركة يسمح لها مثلا بإجراء إنتخابات عامة لأعضاء هذه الهيئة، بينما الدول المضيفة للاجئين لم تعرف هذا الإجراء، ولا كانت نظمها تقيم وزنا للحزبية التعددية والتدافع الحزبي ؟ وفي الواقع يتعرض مبررو غياب الأداء الديمقراطي عن النظام الفلسطيني في عهد الثورة، بسبب أو بذريعة مقتضيات هذا العهد، لمحنة شديدة عند فحص مداخلاتهم بشكل تفصيلي، ففقه الديمقراطية لا يأبه بحجة السرية والظروف غير المواتية لحجمها في الممارسة في حدود الممكن، فالسرية شر لابد منه بالنسبة للمنظمات الثورية، وينبغي التكيف مع هذا الوضع الإستثنائي. وبخلاف انعدام السرية في النموذج الفلسطيني، ثمة من يعتقد ان هذا النموذج إعتدى بقوة على الحيز الذي كان متاحا للأداء الديمقراطي في حدود الممكن. اذن ما علاقة الظروف الاستثنائية، بل والسرية أيضا، بإنفلات القيادة من قيود المواثيق والقرارات واللوائح، وتسلطها في إتخاذ القرار والابتعاد عن الثوابت المعروفة في صلب القضية الوطنية؟ وكذا ما صلة هذه الظروف بالفساد المالي والإداري والتسيب الخلقي وظواهر الإستزلام ومراعاة المحاسيب؟ ولعل محنة الذريعة القائلة ان المسافة الفاصلة بين الشعب والنظام (أو القيادة)! ساهمت في حجب الممارسة الديمقراطية فلسطينيا، أصبحت أشد وأقسى بعد زوال هذه المسافة غداة قيام السلطة الوطنية. لقد أصبح التماس بين السلطة وشعبها مباشرا، ومع هذا لم تضف ممارسات هذه السلطة جديدا فارقا ينفي عنها فكرة استئناف الأداء اللاديمقراطي، رغم التغيير الكبير في الظروف غير المواتية مقارنة بما كان ومازال يحدث في زمن الملاجئ ورحابها. ورب مجادل هنا ان تغلغل القوى الخارجية ومداخلاتها في شئون النظام الفلسطيني لم تتوقف بمجرد نشوء السلطة بل وربما زادت بفعل استحداث ما يدعى بالدول المانحة، التي تصرف الكثير من عطاياها على أوجه وشخوص لغير الأغراض الديمقراطية وبما يتعارض مع الأهداف الوطنية. وهذا صحيح تماما، وأكثر منه صحة وحجية القول ان الإحتلال الإسرائيلي بكل بغيه وجبروته ضد التطور السياسي الفلسطيني، وفي سياقه التحول الديمقراطي، مازال جاثما على صدر فلسطين، الأرض والشعب والنظام، بيد أن هذه الحقائق هي أدعى لمحاربة مظاهر الفساد وكثير من معوقات الديمقراطية، لأنها في التحليل الأول والأخير تطيل عمر التبعية وتغذي زمن الإحتلال وتحمل سواد الشعب عبئا مضافا من القهر وتؤخر فجر الإستقلال. إن الإحتلال والتحول الديمقراطي يقعان على طرفي نقيض إنهما خصمان لا مجال للإصلاح والتوفيق بينهما، لكن كثيرا من رموز الفعل التسلطي وغير الديمقراطي، يمكن وينبغي مطاردتها على الرغم من هذا القضاء، وليس بلا مغزى أن التجارب التي نفى فيها الزعماء الثوريون الأداء الديمقراطي بزعم الإلتفاف لجبهة التحرر، إنتهت إلى إزاحة الديمقراطية تماما حتى بعد أن تحقق الإستقلال، وهكذا تحول التأجيل المؤقت للإجراءات الديمقراطية إلى حكم مؤبد بخضوع الشعب لنخبة الثورة وورثتهم، وصار الوضع الإستثنائي وضعا أساسيا. لا يحتاج الشعب الفلسطيني بالطبع لإجترار التداعيات المأساوية التي نجمت عن الخلل أو حتى الخطأ السياسي الذي عرفته حركات التحرر الأخرى. وللتوفيق بين الآراء المتعارضة حول إشكالية الديمقراطية والتحرر في تجربتها الاستثنائية بالغة الخصوصية، بوسع القوى الفلسطينية، السياسية منها والمدنية، وضع التطور الديمقراطي على أجندتها الخاصة بالتحرر السياسي والإستقلال الوطني، بمعنى أن يمس هذا التطور جزءا من أهداف هذه القوى، وهي إن فعلت ذلك كسبت آلية تساعدها على إنجاز هدف التحرير، وحققت في الوقت ذاته ما يعد هدفا يستحق التضحية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة