لم يعد من حق الولايات المتحدة من الآن فصاعدا أن تنصب نفسها قيماً على النهج الديمقراطي كمعيار لفرز الأنظمة السياسية في العالم، بعد فضيحة سعيها الدؤوب مع سبق الاصرار والترصد لازاحة ياسر عرفات عن رئاسة السلطة الفلسطينية، اذ رغم انه تدخل سافر في الشئون الداخلية للشعب الفلسطيني، الا ان ما يؤكد على أن الديمقراطية ليست سوى أداة للمصالح والنزوات الأميركية، كون اختيار ياسر عرفات عبر انتخابات توافرت لها شروط الحرية والنزاهة عام 1996 تحت اشراف دولي حيث فاز بنسبة 88% من الأصوات على منافسته الوحيدة آنذاك سميحة خليل. ثم كيف يستقيم انحياز أميركا الصارخ لاسرائيل، بينما يطرح الرئيس بوش في بيانه الاخير عن الشرق الأوسط دورا أصيلا للفلسطينيين في المفاوضات المزمع اجراؤها لتصفية الاحتلال الاسرائيلي؟ وأي مصداقية أو شفافية للمحاولات الأميركية المشبوهة الرامية لمد الحبل لاسرائيل على الغارب وهي تمارس ارهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني، وحصار ياسر عرفات في مقره برام الله وتفجير بناياته تباعا، والى حد ممارسة اسلوب اغتيال الشخصية عبر الزراية به واتهامه بكل ما ينفي عنه اهليته للثقة وجدوى التعاون معه! ومن عجب ان يصم الرئيس بوش اذنيه ويغلق عينيه ويسد على عقله أبواب الادراك والفهم، بينما المظاهرات الشعبية في الأرض المحتلة تعلن ولاءها لياسر عرفات والتمسك بزعامته، وان تؤمن كافة الشعوب والانظمة العربية على هذا الموقف بالرضا والقبول والالتزام. والأكثر مدعاة للدهشة ان تتخلى معظم الدول الأوروبية وأكثرها تبعية لأميركا مثل بريطانيا وتعلن استحالة التفاوض أو فرض تسوية لمشكلة الشرق الأوسط في غياب ياسر عرفات، ولعله من هنا السؤال عن سر تبني أميركا لموقف اسرائيل من عزله وتجريده من زعامته الآن؟ فاذا كان شارون قد أعلن مؤخرا ندمه لتفويت فرصة اغتياله لياسر عرفات ابان قيادته الاجتياح العسكري الاسرائيلي للبنان عام 1982، الا انه يخفي في الوقت نفسه فشله واحباطه آنذاك في تجاوز نفوذه وشعبيته، فهو الذي أجهض مشروعه الرامي الى خلق بدائل فلسطينية لزعامته عبر ما كان يسمى (روابط القوى)، واذا كانت اسرائيل وأميركا قد توافقت بينهما الرؤية حول محاصرة عرفات بالضغوط القاسية من كل حد وصوب، ومطالبته باصلاحات جذرية في بنيه وهياكل وتوجهات السلطة الفلسطينية، كشرط للولوج الى عتبات الدولة الفلسطينية المؤقتة، الا انه ما أن شرع في التغيير النابع من ارادة وخيار ومصلحة الشعب الفلسطيني، وازاح شخصيات بارزة من مناصبها، وحدد موعدا لاجراء الانتخابات النيابية والرئاسية، حتى أسفرت أميركا عن نواياها الحقيقية عبر استباق التغيير والترويج لحتميات عزل عرفات عن سدة السلطة وتجريده من زعامته، لادراكها خسارة الرهان مسبقا على موافقته على التسوية النهائية المهينة للقضية الفلسطينية والتي يجري طبخها الآن في الكواليس. ولعله لم يعد سرا الآن تلك الخطة المبيتة التي أعدها جهاز الموساد لاغتياله بعلم المخابرات الأميركية، عندما توجه الى تفقد الأوضاع في مخيم جنين في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي واضطر في اخر لحظة الى اختصار الزيارة، ثم كان الاختبار الثاني لمدى امكانية النيل من زعامته وسلطته، حين فرض الاقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس في بيته دون أن تتحرك حماس لمقاومة السلطة الفلسطينية، واعلنت رفضها القاطع لمحاولات عزل عرفات. وأخيرا تبلور الرهان الأميركي الاسرائيلي حول الاحتمالات السلبية المتوقعة لقرار عزل عدد من قيادات الاجهزة الأمنية من ذوي النفوذ والسطوة، ممن يشاع عن علاقاتهم القوية بأميركا أو اسرائيل وفي مقدمتها اللواء جبريل الرجوب رئيس جهاز الأمن الوقائي واستبداله بمحافظ حنين السابق زهير مناصرة. وهكذا خاب فأل أميركا واسرائيل في توجيه أخطر الضربات تباعا الى الوحدة الوطنية الفلسطينية، ايذانا بـ (فلسطنة) الصراع بديلا عن التحشد لمواجهة الصراع التاريخي والمصيري مع اسرائيل!