على امتداد الاعداد الثلاثة الاخيرة من مجلة «المصور» المصرية اجرى رئيس تحريرها الصحافي الاستاذ مكرم محمد احمد، حواراً موسعاً مع قيادات الجماعة الاسلامية في مصر وهي اكبر الجماعات الاسلامية ، التي لايزال بعض كوادرها في السجون المصرية، بينما خرج بعض قادتها وافرادها من السجن بعد فترات متفاوتة، ويقدر منتسبو هذه الجماعات وكوادرها بالآلاف، وتتجاوز كوادرها المعروفة ـ في بعض التقديرات ـ اكثر من خمسة عشر الف شاب منتشرين في مصر وخارجها، وكان الحوار مركزاً حول مبادرة الجماعة الى نبذ استخدام العنف والتوجه الى الدعوة الصحيحة للاسلام المتسامح. ومعروف ان هذه الجماعة هي واحدة من اخطر الجماعات المتشددة، حيث اوقدت شرارة العنف في مصر لفترة طويلة بدءاً من الثلث الاخير من السبعينيات، وكان من ضحاياها مكرم محمد احمد نفسه، الذي سرد نتاج لقاءاته الايجابية مع قيادتها، كما شهد علاقة هذه القيادة بكوادرها في السجون المصرية، وكذلك ادار حواراً مع من خرجوا منهم من السجن. وللتعرف بصورة اوضح على هذه الجماعة نجد انها هي التي قتلت الرئيس الراحل انور السادات، لتخوض منذئذ قتالاً في المدن والقرى المصرية مع اجهزة الشرطة والامن المصرية استمر اكثر من ثمانية عشر عاماً، وكان من ضحاياها الدكتور رفعت المحجوب استاذ الاقتصاد السياسي الذي درس على يديه جيل من المصريين والعرب وقد اغتالته الجماعة وهو يتبوأ رئاسة مجلس الشعب المصري، وكان بعض افرادها وراء المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس حسني مبارك في اديس آبابا، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري الاسبق عاطف صدقي، ووزراء الداخلية المصريين السابقين: حسن الالفي والنبوي اسماعيل ، وحسن ابوباشا، وكذلك محاولة اغتيال وزير الاعلام صفوت الشريف. وكانت هذه الجماعة وراء ضرب السياحة عن طريق اغتيال السياح الاجانب في مصر ووراء اغتيال عدد كبير من ضباط الشرطة والمواطنين الاقباط، وربما كانت هي التي اقامت البنية الاساسية للارهاب في مصر، وفتحت الابواب الى افغانستان، وهي متهمة بقتل المفكر المصري فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، الى جانب عدد من الاغتيالات واعمال العنف. هي باختصار جماعة اشتملت اعمالها على عنف منظم وغير منظم روع المجتمع المصري، وانتشر تأثيرها في اماكن اخرى من العالم، وتفرقت قياداتها في ارجاء العالم الفسيح وارتبط بعضهم بتنظيم «القاعدة» الذي هز العالم. الخروج من المأزق هذه الجماعة وقيادتها في داخل السجن وخارجه قد وقفت موقفا نقديا من ممارساتها السابقة، واصدرت في سبيل هذه المراجعة اربعة كتب تحدد مجالات المراجعة، وتتحدث عن حرمة الغلو في الدين، وحرمة تكفير المسلمين وتنتقد ما وقع من اخطاء سابقة من قبل الجماعة، وهو امر يتطلب الوقوف عنده وتبصره. ولان مكرم محمد احمد من الصحافيين الذين يحترمون اقلامهم، فقد تتبعت الحوار والملاحظات على ثلاث حلقات نشرت في ثلاثة اسابيع متوالية، ووجدت ان ما قيل يستحق ان يعرف على نطاق واسع. اللقاء الذي اجراه مكرم محمد احمد تم على فترات مختلفة، أولا بينه وبين مجلس شورى الجماعة الاسلامية وفيهم من هو محكوم عليه بالاعدام «ويلبس البدلة الحمراء» وآخرون قضوا في السجن اكثر من عقدين من الزمان، ودار حديث طويل يقود مجمله الى ان قيادة الجماعة قد قلبت الامر على أكثر من وجه، ووجدت ـ من دون ضغط او اكراه ـ ان عليها واجب المراجعة، حيث استخدمت النصوص في السابق في غير زمانها وخارجة عن اسبابها، وقد كان الجهل لدى بعض الافراد في فهم النصوص والامتثال لها احد طرق الاخطاء القاتلة التي ارتكبتها الجماعة، وتكونت قناعة لدى كاتب التحقيق ـ رئيس تحرير «المصور» بأن هذه المراجعة هي مراجعة حقيقية وليست مناورة، فحسب قول احدهم: ماذا تفيد المناورة وبعضنا محكوم عليه بالاعدام؟! لقد كان الحوار الذي نشر مطولاً ومشحونا بالتفاصيل، بعضها يبحث عنها الصحافي واخرى تريد الجماعة ان توصلها الى جمهور القراء. تبين من اللقاء ان الجماعة الاسلامية كانت تبحث عن مخرج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه، ووضعت مصر ايضا في مأزق، كان شعارها السائد هو العنف والعنف المضاد، من دون تحكيم للعقل، ثم تبين للجميع بعد سنوات طويلة وتضحيات جمة، ان التكلفة باهظة الثمن على منتسبي الجماعة وعلى الوطن المصري كله، بل على كثير من اطراف العالم المسلم، فلم تستطع الجماعة ان تحقق اي شيء مما تريده، وكان ما تريده شيئا ضبابيا وغامضاً ومشوشا، كما ان الدولة سخرت الكثير من الموارد من اجل مقاومة هذا التيار، وتأخر بذلك الكثير من المشروعات التي تنفع المواطن بسبب هذا الصراع العبثي. لم يكن تغير تفكير الجماعة فجائيا بل جاء بعد دراسة ومحاولات بعضها فشل على رغم تدخل عدد من الرجال الثقات الغيورين، وكان الفشل يرجع الى اسباب ذاتية وموضوعية، بعد ان عرقلتها مصالح مختلفة، وبعض المحاولات عطل عقب عمليات قتل قامت بها الجماعة، مثل قتل السياح الاجانب في الاقصر سنة 1997 بعد ان كان المقصود مهاجمة مهرجان اوبرا عايدة! شملت مبادرة المواجهة اربعة مجالات اقتنعت بها الجماعة: الاول ان قتل المدنيين محرم شرعا حتى لو كانوا سياحا أو مستثمرين، وثانيا تحريم الخروج على الدولة بالسلاح، وثالثا تحريم تكفير المسلمين واخيرا ان الحسبة ليست مطلقة بل ان لها ضوابط تقوم على تطبيق نصوص القانون في المجتمع. المجالات الاربعة لها تفاصيل كثيرة ومطولة، موزعة في اللقاء المنشور الذي اشرت اليه وليس في النية بحثها من جديد ولكن الاهم هو تحول الصراع السياسي من فوهة البندقية الى جلسة السياسة، كما ان تحليل اسباب التغيير في ايديولوجية الجماعة الاكبر والاوسع انتشارا في مصر هو المطلوب رصده الآن فمنذ انطلاق المبادرة طاف مجلس شورى الجماعة بعدد كبير من السجون المصرية وشرحوا موقفهم الجديد، وقد اقتنع به الكثيرون كما اطلق سراح آلاف منهم خلال السنوات الماضية، من دون ان يعود احدهم الى المواقف السابقة، بل ان قيادتهم قد تكفلت بردع اي خارج عن الاتفاق او عائد الى المرحلة السابقة عليه. عودة الرشد ما يلفت النظر هو ان ولاء الافراد للقادة يكاد يكون ولاء مطلقا، فقد كانت بعض الكوادر حين تلتقي القيادات تقوم بتقبيل اللحى والجبين، بل الايادي ايضا، اعترافاً واظهاراً للخضوع المطلق للقيادة، وفي هذا مؤشر مهم الى منهج وطريقة التربية في الجماعة، وهي كما تبدو، ليست نقاشا حراً، بل اوامر مطاعة، وهو مؤشر ينم عن الكثير من الخلل في التربية السياسية في مجتمعنا العربي، وهي تبدو مشابهة لتربية الاحزاب الشمولية والقطعية في تلقي الاوامر وفي تنفيذها. كما يلفت النظر ان سقف المشروع «ان كان ثمة مشروع اصلا لمثل هذه الجماعات» هو سقف محدود من جهة، وخارج عن السياق التاريخي من جهة اخرى فقد استطاعت هذه الجماعة تنظيم شباب يؤمرون فيطيعون وينفذون مهمات عسيرة وقد واجهوا حقا مجتمعا قليل الفرص ويعاني افقا سياسيا اقليميا مضطربا، إلا ان قياداتهم لم يقدموا مشروعاً حديثاً ومناسباً لتطور المجتمع، بل اختاروا ان يصبوا جام غضبهم على ما يكرهون، غير انهم فشلوا في تسويق ما يريدون لدى اغلبية الشعب كبديل لحل المعضلات الشاخصة، وبذلك فشلوا في العمل كرافعة للمجتمع، وفقدوا الصبر على السير في المسافة الطويلة بين الواقع والتغيير، واتجهوا الى العنف بوصفه الطريق الاسهل، فبدوا كمن يقتلع الزرع، لكن لا يلقي بذراً بديلا، وهو ما انعكس سلبا على مشروعهم. وهذا الامر لا يقتصر على الجماعة، بل ينطبق على امثالهم، فمع فقدان المشروع والخلل في اختيار الاداة المناسبة، كتبوا على انفسهم الانعزال عن المجتمع الكبير الذي لم يستطيعوا ان يؤثروا فيه بشكل واسع ويقودوا افاق التغيير فيه، بسبب ضبابية المشروع، فظنوا او هييء لهم انهم يحتكرون الحق القطعي بينما الآخرون في ضلال دائم. كما يلفت النظر في هذه اللقاءات الموسعة اعتقاد الجماعة الاسلامية بهامشية الجماعات الاخرى مثل «التكفير» و«الجهاد» اما رأيهم في احداث الحادي عشر من سبتمبر فهو ان هذه الاحداث «اساءت الى الاسلام اساءة شديدة». ما يهم في الامر هو العودة الى الرشد السياسي بتطوير ادوات فاعلة لمتابعة الاصلاح والتغيير بأساليب ارتضتها المجتمعات الحديثة، وهي المزيد من الحريات والمزيد من المعرفة، بعيداً عن الغلو والشطط، او استخدام التراث مطية للهيمنة السياسية على المجتمع، ولايزال الطريق طويلاً امام هذا النوع من النضال السياسي يتجاوز مجرد نقاش في صحيفة أو حديث مع جماعة بعينها. ان فقدان المشروع التنموي في المجتمعات العربية الذي تستطيع ان تواجه به التحديات المتلاطمة في القرن الحادي والعشرين هو الذي يجعل البعض يخوض التجربة ويقع في الخطأ، ثم يفيق بعد ان تنزف دماء وتزهق ارواح وتضيع فرص.. ويرى الجميع في نهاية «التجربة المريرة» ان المشروعات «المدنية» البديلة لتغيير المجتمع هي اقل كلفة واكثر امانا. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ـ الكويت