اتجه حديثنا البارحة الى تلك المشكلة المختلقة التي تصورها المنطق المعكوس الذي يفترض ان الانسان غير قادر على التواصل، مع مسئولياته المختلفة، وانه اسير التزاماته التي ترهقه وتضطره ليكون انتقائياً، فيختار دوراً واحداً ويهمل بقية الادوار!! هذه الفرضية الخاطئة تستند الى المنطق القائل بان عليك ان تختار بين هذا الدور أو ذاك، أما تجمع بين هذا وذاك فأنت شخص موهوم!! انها نظرية استلاب الحياة، وهدر الموارد الذاتية، وتقليص الاحساس بروعة الانتماء الى العالم الاكثر ثراء وغنى ووفرة من حيث المشاعر الانسانية او الانجازات على ارض الواقع. ومن المؤكد ان ضحايا هذا التفكير التفكيكي لأدوار الانسان بل لأهدافه الطبيعية المشروعة، يفقدون الكثير إزاء استجابتهم لهذه النظرية. فمن المعروف ان التوازن هو لغة الكون الشديدة الوضوح، واليسيرة الفهم على كل من له نظر او سمع او تأمل في صفحات ذلك الكتاب المنشور. التوازن في الكون تراه في الذرة، كما تراه في المجرة من حيث عدد الجسيمات التي تكون الذرة الهائمة في فضاء الكون السحيق، ومن حيث عدد الجزيئات التي ترتبط ببعضها لتكون ذلك الجرم السماوي الهائل الذي تعجز عن ادراكه اكثر المجاهر البشرية تطوراً وكفاءة. انها لغة الانسجام والنظام، وهي لغة القدرة على اتمام المهمة التي لأجلها وجد الكون. ومن اجل ذلك فان الانسان يقف وحده خاسراً حين يضرب رأسه في جدار الجهل والغفلة عن هذا النظام المحكم الاتقان دون ان يمعن النظر، ويتمهل في اكتشاف روعة التوازن الذي عليه وجدت الحياة. ان ذلك الانسان الانتقائي تراه لا يمانع ان يهمل في دوره الاسري ليحقق سبقاً في حياته المهنية ظناً منه انه لا سبيل للتوفيق بين الأمرين معاً. اما لماذا يبخس ذلك الانسان نفسه حقها ولماذا لا يراها مؤهلة لتحمل تلك الواجبات المختلفة، فلأنه فاقد الاتصال بداخله، وغير قادر من اجل ذلك على الاصغاء لذلك الصوت العميق الذي يهتف به بأن عليه ان يؤمن بأن لديه طاقة خلاقة قادرة ـ ان احسن اكتشافها وتوجيهها ـ لتزويده بالقوة التي تمهد له الوصول الى الريادة في مضمار الحياة. ان ممارسة الاصغاء الى الصوت الداخلي المنبعث من الاعماق تزود الانسان بخبرة رائعة في التعامل مع مسئولياته المتعددة، وادارة أفكاره بعيداً عن التوتر، والشعور بأن العالم يوشك ان يطبق فوق رأسه لأنه انسان كثير الواجبات!! ان الذي يدعو اليه العقل الناضج هو ان الانسان حين يشعر بالارتباك والتشتت نتيجة وجود ضغوط من الاعباء والمسئوليات فإنه يضع بين يديه كافة الاسباب التي اوصلته الى هذا الشعور المؤلم، كما انه يضع في تصوره كافة الحلول لأنها ممكنة لو مارس الاصغاء الى اعماقه، وحرك عضلات تفكيره في اتجاه مخرج لتلك الدائرة التي يظنها مغلقة بينما تراها الحياة والاحياء المتفائلون بأن لها منافذ وابواب تسلمها الى اكثر من حل واكثر من خيار قادر على انجاح اهدافه كلها مجتمعة. ان الانسحاب الفجائي واعلان حالة الهزيمة امام المسئوليات هو خيار العاجز، اما الانسان العاقل فانه يؤثر التعاون مع المحيطين به ليعزز من وجوده بينهم، وليستثمر عواطفهم ومشاعرهم نحوه في تجديد إيمانه بدعمهم له ووقوفهم بجانبه، تقول الروائية الانجليزية جورج اليوت مؤكدة هذا البعد الانساني الهام: «تفقد الحياة معناها اذا لم يسهل بعضنا امر بعض»، ويقول جوزيف كامبل: «الناس العاديون يخدمون انفسهم، اما الابطال فيخدمون المجتمع». ان هذه الدعوة الى التعاون تنبع من روح متألقة تحافظ على كل فكرة صالحة للبقاء، وهي التي قال عنها اندرسون: «عندما نتمسك بالمثل العليا، نكون قد نجحنا حتى قبل ان نعرف النتيجة».