الكذب وما ادراكم ما الكذب.. اذا مارسه الفقير سمي بين الناس كذابا.. مع بعض الالقاب الاخرى المرادفة في المعنى مثل ابو شلاخ او الصباغ او اللواحس، واذا تحدث في اي مجلس سمعت الهمس والغمز واللمز مثل «وديتنا السيح» تعبيراً عن كبر الكذبة وعظمها، أو ان يقول احدهم «آخ عيني» كناية عن سهم الكذب الذي اصابه في مقتل، أو كما يقول اخواننا المصريون «دي واسعة أوي» دلالة على كبر الكذبة وعدم مصداقيتها، اما اذا كذب الغني او الوجيه أو صاحب الالقاب فهو الصدق الذي ما بعده صدق ولو كانت روائح الكذب تتقطر من أطرافه وترى مستمعيه فاغري الأفواه «منطري» العيون، وكلما انتهت جملة في حديث أحدهم حتى سمعت كلمات الاطراء والاعجاب تنهال من كل جانب مع التأكيد على صدق المتحدث و«الله صادق أنا كنت ويّاه» ولو كان ذلك القسم كذباً، وهذا التأكيد لمعرفة الجميع ان المتحدث كاذب لكنه زمن إذا سرق الفقير فيه أقاموا عليه الحد وإذا سرق الغني شكروه وزادوه على سرقته غنيمة ومقاماً. والكذب ظاهرة عالمية لا تختص بجنسية معينة أو لون معين، وذهب الكثيرون الى ان للكذب ألواناً كألوان قوس قزح، ومنها الكذب الأبيض والأصفر والأسود، وتتنوع في درجاتها في الكذب على الآخرين حتى الكذب على النفس، واشدها خطورة هو ذلك النوع الذي يكذب صاحبنا فيه الكذبة ثم يصدقها ويدافع عن كذبته ويمارسها ويحولها الى حقيقة واقعة ويعيش اجواءها ويجبر الآخرين على تصديقها كما يفعل بعض المدراء والمسئولين لتفخيم ذواتهم وكأنهم كما قال اخواننا المصريون مرة اخرى «ابو العريف» الذي يعرف دبة النملة ومداخل ومخارج كل الامور وأوتي من الحكمة بنصيب وفي كل حقل من حقول المعرفة الانسانية وغير الانسانية. وعلى ذكر الكذب طالعتنا الصحف اول امس عن فضائح الفساد التي تلاحق الرئيس الاميركي بوش التي كذب فيها قبل اثني عشر عاماً بخصوص اسهم شخصية تناقض السيد الرئيس في تصريحاته حيالها، وعللت المعارضة الديمقراطية ان مرد ذلك التناقض يعود الى نظرة الرئيس الخاصة الى آداب السلوك في عالم الاعمال في الفترة التي كان يعمل خلالها في القطاع الخاص، وهذه دلالة اخرى على ان لكل قطاع كذبة ايضا، وما تناقلته الصحف ايضا عن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير واتهام اعضاء البرلمان له بالنفاق بسبب دروس اولاده الخصوصية لقيامه باستئجار معلمين في مدرسة عامة لتدريس ولديه المراهقين وشرائه التعليم الخاص «بفلوسه» وهو المحروم منه الملايين من تلاميذ المدارس الحكومية، ولو عددنا عدد الكذبات التي صدرت من رؤساء العالم المتقدم كما يسمى لعجزنا خصوصاً علينا نحن العرب، وأنا هنا لا أهون من امر الكذب او استعمله كمادة للسخرية فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم سيد البشرية ومعلمها علمنا ان أول صفة وآية من آيات المنافق الثلاث هي صفة الكذب فقال «اذا حدث كذب» وقد وردت كأولى الصفات للمنافق كونها الصفة الابرز التي تجر الصفات الاخرى من خلف للوعد وخيانة للامانة. وقد ذهبت السيرة الشعبية إلى أبعد من ذلك في التشهير بالكذاب حتى كان الكذاب في المجتمع «تربط به الضبابة» ان تنزل، لان الضبابة تقدم الرؤية وكذلك الكذب يخلق الرؤية الضبابية ويطمس الحقيقة.. وهناك قصة عن احد مشاهير الكذب الذي كال المديح لنفسه في كرم ضيافته ورفادته وعطائه بأن القدور التي تطبخ في دوره من كبرها يعجز العشرة من الخدم عن حمل حلقة من حلقاتها، ولانه تعود على الكذب ويصدق كذبه تباهياً وزهواً ولا يرى افضل منه حتى في الكذب حينما قال احد جلسائه الظرفاء الكذابين ايضا انه وجد في الصحراء حبة من «الفقع» اي «الكمأة» حجمها اكبر من الجبل فنهره مستخفاً بأنه اذا كان حجم حبه الفقع بذلك الحجم فأين ستطبخ؟ فبادره ذلك الظريف فوراً قائلاً: في قدورك! لذا وحيث اصبح الكذب كالماء والهواء في حياتنا اليومية ولا غنى عنه سواء للصغير أو الكبير الغني او الفقير الموظف أو المدير، الرئيس أو المرؤوس، فاقترح اقامة جائزة ليوم الصدق العالمي.. عفوا اعتذر عن هذه الجائزة فليس لها في عالمنا محل واقترح اقامة مهرجان عالمي للكذب تشارك فيه جميع الدول ويقسم الى عدة حقول حسب التخصصات والطبقات والجودة.. من الرؤساء حتى الفراريش ويحصل صاحب افضل كذبة على شهادة الايزو في الكذب.