التغيير سر البقاء والاستمرار، والمجاهرة الاميركية والالحاح على تغيير السلطة الوطنية الفلسطينية والنظام في بغداد يفتح مدخلا جديدا في العلاقات الدولية. سابقا كان الامر يعتبر تدخلا في الشئون الداخلية ويخالف الاعراف والمواثيق الدولية. وكان تغيير الانظمة مهمة تناط بها اجهزة الاستخبارات والوكالات السرية للقيام بهذه المهمة الا ان احداث 11 سبتمبر ومبدأ الضربة الوقائية افرزت قواعد جديدة للعب على الساحة الدولية، فالموقف الاميركي من ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني والاصرار على قيادة جديدة للشعب الفلسطيني نابع من الارتباط الوثيق للمصالح الاميركية والاسرائيلية المشتركة في المنطقة، فعرفات مثلا ـ من وجهة النظر الاميركية ـ تعامل منذ اتفاقيات اوسلو مع خمس قيادات اسرائيلية ابتداء من اسحاق رابين ومرورا بشيمون بيريز وبنيامين نتانياهو وايهود باراك وحاليا الارهابي ارييل شارون رئيس وزراء الكيان ولكن عرفات لم يتمكن من اتمام صفقة «سلام الشجعان» او الاجهازعلى المقاومة الفلسطينية. القيادة الاميركية تسعى لاقرار السلام في المنطقة بتخبط وتتبنى للاسف الصيغة الاسرائيلية للسلام. واشنطن تتعرض لابتزاز اللوبي الصهيوني مع اقتراب الانتخابات التشريعية في اميركا . الصهاينة يجيدون اللعب واستغلال الفرص في التعامل مع الادارة الاميركية على الصعيد الدولي والساحة الداخلية لاميركا، فالصهاينة وبعون من المسيحيين اليمينيين المتطرفين في اميركا استغلوا الاعلام لتحقيق مآربهم الخاصة ووصم المقاومة الفلسطينية المشروعة بالارهاب حتى لا يفرق رجل الشارع الاميركي بين اسامة بن لادن المتهم بالارهاب الدولي والشيخ المقعد احمد ياسين زعيم حركة المقاومة الاسلامية حماس. اما في الجانب العربي فبعد مرور عشرة اشهر تقريبا على احداث 11 سبتمبر فلم يتم تحقيق مكاسب تذكر. فبعد الضربات الارهابية التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن أشارت بعض التكهنات في الساحة العربية الى ان الولايات المتحدة ستسعى لاستئصال مصدر القوة والجذب للحركات المتطرفة وتسحب البساط من تحت قدميها وذلك من خلال ايجاد حل عادل وشامل للصراع العربي الاسرائيلي ومن ثم تتركز الجهود الاميركية على مكافحة الارهاب. ولكن الاحداث سارت الى غير ذلك بعد تشتت الجهود العربية وانعدام استراتيجية موحدة للتعامل مع الاحداث الجارية على الساحة الدولية. وغياب هذه الاستراتيجية أمر متوقع والأسوأ من ذلك غياب التنسيق بين المحاور العربية للتعامل مع تداعيات 11 سبتمبر. إن الجهود العربية اقتصرت منفردة على دفع تهمة الارهاب أو مساندته واخلاء ساحتها من الاتهامات وبلغت في بعض الاحيان الى حد التأييد الضمني لمبدأ الضربات الوقائية لمكافحة الارهاب. كما تركزت بعض الجهود العربية للنيل من معارضي الانظمة في الخارج أي في الغرب باستغلال التشنج الاميركي في مكافحة الارهاب. وفي الملف العراقي فإن حكومة بغداد تتعامل اليوم مع رابع ادارة أميركية ولكن هذه الادارة مصابة بفوبيا الارهاب وستكون أكثر تزمتاً من الادارة السابقة، فيما يتعلق برفع الحصار، فواشنطن ماضية في جهودها لتغيير النظام العراقي سواء من خلال عملية استخباراتية لتنظيم انقلاب أو عمل عسكري جامح. الصوت العربي يرفض صراحة توجيه ضربة عسكرية لبغداد لما سيكون له من تداعيات داخلية في الوطن العربي وبصوت أقل حدة يرفض قلب النظام في عملية استخباراتية وربما هناك من يؤيد هذا الاتجاه من وراء الكواليس. إن تغيير الأنظمة بات منهجاً في الادارة الاميركية بعد حقبة 11 سبتمبر طالما يخدم المصالح الاميركية وربما سيلاقي قبولاً أكبر بعد مرور وقت كاف من الزمن لتتبناه دول اخرى طالما يحقق مصالح مشتركة للمجتمع الدولي. وهناك دول كثيرة من دول العالم الثالث بحاجة لتغيير انظمتها وفرض قيادات جديدة عليها إذا لزم الأمر وربما تكون الساحة العربية معمل تجارب للمنهج الاميركي الجديد..