اسدل الستار على بطولة العالم لكرة القدم يوم الثلاثين من يونيو الماضي بمدينة يوكوهاما اليابانية، بحضور شخصيات سياسية بارزة من رؤساء وملوك ومسئولين سياسيين، كبار من عدة دول وعدة قارات. الحضور في مدرجات الملعب فاق الـ 70 الف متفرج وامام شاشات التلفزيون عبر القارات الخمس فاق المليارين نسمة. هذا الحضور وهذا الاهتمام العالمي يعتبر فرصة ذهبية للساسة والحكام وللدول لابراز العضلات والقوة ولاستغلال الاهتمام الجماهيري لتمرير الرسائل السياسية التي يريدها هذا الرئيس او ذاك الزعيم. بطولة العالم لكرة القدم لم تصبح لعبة ورياضة فحسب، وانما تخطت هذا البعد الرياضي لابعاد اخرى اكثر اهمية. فسياسيا تعتبر «الفيفا» ـ الاتحاد الدولي لكرة القدم ـ اكبر منظمة في العالم على الاطلاق، واقتصاديا تفوق ميزانية الاتحاد الـ 7 مليارات دولار. وللتذكير فقط لقد فاقت حقوق بث مباريات بطولة العالم لكرة القدم في دورتها الاخيرة الـ 70 مليون دولار. اما عن الاعلانات سواء داخل الملاعب او عبر وسائل الاعلام وحقوق الرعاية فالامر يتعلق بمئات الملايين من الدولارات كذلك اما عن صفقات بيع وشراء اللاعبين فالامر اصبح كذلك يحدد بعشرات الملايين من الدولارات، واصبحت رواتب بعض نجوم كرة القدم تحسب بمئات الآلاف من الدولارات اسبوعيا، اما الحقوق التي يكتسبها بعض اللاعبين من الاعلانات وغيرها فتقدر بملايين الدولارات. الرياضة اذن في القرن الحادي والعشرين ليست بريئة، وانما كما اسلفنا هي تجارة ورعاية واعلانات وسياسة.. الخ. وصدق «هتلر» يوما عندما قال «ان ملايين الناس المدربين على الرياضة الشغوفين بحب الوطن، المتشبعين بالروح الهجومية يمكن ان يتحولوا في رمشة عين إلى جيش». فالمنتخب البرازيلي الفائز بكأس العالم لسنة 2002 انسى 170 مليون برازيلي هموم الفقر والمشاكل اليومية وسوء الادارة والتسيير من قبل الحكومة البرازيلية، واستطاع ان يجعل هذه الملايين من البشر ترقص السامبا في عرس واحد وحقل واحد، الامر الذي تعجز عن تحقيقه اية مؤسسة اخرى داخل البرازيل بما فيها مؤسسة رئاسة الدولة. ومن خلال الفوز بكأس العالم ادرك الرأي العام البرازيلي انه بألف خير وانه الاحسن والاقوى عالميا في ميدان كرة القدم، وهذا انجاز عظيم يجب ان تشكر عليه وزارة الرياضة والشباب الاتحادية البرازيلية لكرة القدم والحكومة والرئيس البرازيلي. اكثر من هذا شعوب في دول عديدة رقصت السامبا وساندت الفريق البرازيلي وهنأت الرئيس البرازيلي والشعب البرازيلي بالانجاز العظيم.. هذه هي اذن الرياضة التي تخترق الهموم والمشاكل وتبرز الانجازات والنجاحات. التوظيف السياسي في القرن التاسع عشر ربطت القوى الاستعمارية التطور والتفوق الرياضي بحركة الاستعمار وتفوق النظام الرأسمالي الغربي، واصبح المتفوق في الرياضة هو المتفوق في الاقتصاد وفي السياسة وفي الحضارة، واصبح المنتصر في الرياضة هو المنتصر في الحرب، وهكذا دخلت الرياضة السياسة، وكيف لا وهناك دول استثمرت مليارات الدولارات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم او لاستضافة الالعاب الاولمبية او الالعاب الاسيوية او الافريقية او العاب البحر الابيض المتوسط إلى غير ذلك؟ وبذلك تم توظيف الرياضة في خدمة السياسة واصبحت السياسة الرياضية جزءا لا يتجزأ من سياسة الدولة. واصبح الابطال في مختلف الالعاب والرياضات وخاصة الالعاب الاكثر شعبية ككرة القدم يقلدون الاوسمة ويستقبلون استقبال المحررين المنتصرين من رئيس الدولة وتقدم لهم التهاني والتبريكات من قبل كبار السياسيين. مع مطلع القرن العشرين تحولت الملاعب إلى فضاءات للدعابة السياسية وللتجنيد ولغسل الادمغة وحتى للانقلابات العسكرية فعبرت الشعوب المستعمَرة (بفتح الميم) عن حقها في تقرير مصيرها من خلال مشاركاتها المختلفة في المحافل الرياضية الدولية، كان فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري ابان استعمار فرنسا للجزائر خير سفير للقضية الجزائرية، ونلاحظ اليوم المنتخبات الفلسطينية ودورها الريادي والاستراتيجي بالتعريف بالقضية الفلسطينية واسماع صوت اطفال الحجارة للعالم. كما عبرت الاقليات والاعراق عن حقوقها من خلال الرياضة، وخير دليل على ذلك الزنوج الاميركيون ابتداء من العداء المشهور «جيسي اوينس» إلى الملاكم العالمي محمد علي الذي رفض ان يلتحق بالجيش الاميركي في فيتنام. وهكذا بلغ استغلال الرياضة سياسيا ذروته مع صعود الانظمة الشمولية في المانيا الهتلرية النازية وايطاليا الموسولينية الفاشية والاتحاد السوفييتي من لينين إلى ستالين إلى خروتشوف وبريجنيف.. الخ. ففي سنة 1934 استضافت ايطاليا بطولة العالم لكرة القدم واستغل الفاشيون الحدث وحولوا ملاعب كرة القدم إلى حلبات للدعاية وغسل الادمغة وتجنيد الجماهير واستغلال حماسهم وروحهم الوطنية ومشاعرهم القومية. وفي سنة 1936 استقبلت المانيا النازية الالعاب الاولمبية وجمعت برلين الرياضيين من جميع انحاء العالم، لكن بشرط ان يعلم الجميع ان العرق الآري هو احسن عرق فوق الارض وانه ولد ليتفوق وليحكم العالم. وهكذا زحفت المانيا من الملاعب المختلفة للرياضات الاوليمبية إلى غزو جيرانها واعلان الحرب على العالم. كما لا ننسى ان «هتلر» رفض ان يسلم الميدالية ا لذهبية للعداء الاميركي الاسود «جيسي اوينز» لا لشيء الا انه اسود وفي منطق «هتلر» غير ممكن للاسود ان يتفوق على الابيض. حرب خفية الايديولوجية الاشتراكية والشيوعية هي بدورها استغلت الرياضة لتأكيد تفوقها وقوتها. الاتحاد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه وخاصة المانيا الديمقراطية ورومانيا وبلغاريا والمجر، كانت هذه الدول كلها تستثمر استثمارا لا حدود له في مجال الرياضة وكانت تنفق مئات الملايين من الدولارات على رياضييها وبعض الاحيان تستعمل المنشطات وكل الوسائل للتفوق على المعسكر الرأسمالي. وكان الصراع يشتد دائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي في المحافل الرياضية الدولية، وكانت دول مثل المانيا الديمقراطية بحجمها الصغير وامكانياتها المحدودة آنذاك تهزم في المسابقات الرياضية العالمية دولا عريقة مثل فرنسا وايطاليا وبريطانيا واليابان.. الخ. وابتداء من السبعينيات من القرن الماضي ظهرت الحروب الخفية في المجال الرياضي باستعمال المقاطعة الرياضية، ففي سنة 1976 قاطعت معظم الدول الافريقية الالعاب الاوليمبية احتجاجاً على مشاركة نيوزيلاندا التي كانت تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع الابارتيد بجنوب افريقيا. وفي سنة 1980 قاطعت اكثر من 60 دولة الالعاب الاولمبية بموسكو احتجاجا على غزو الاتحاد السوفييتي لافغانستان. وفي الالعاب الاولمبية في سنة 1984 رد المعسكر الاشتراكي الصاع صاعين وتعامل بالمثل وقاطعت 18 دولة الالعاب الاوليمبية التي احتضنها الولايات المتحدة الاميركية في لوس انجلوس، متعذرة في ذلك بانعدام الامن. المونديال والالعاب الاولمبية والرياضة بصفة عامة ليست فقط كما نظر اليها «بيير كوبرتان» وغيره مباديء، ومثلا عليا وترقية الخصال البدنية والاخلاقية وتربية الشباب بواسطة الرياضة وروح التفاهم المتبادل والصداقة من اجل بناء عالم افضل واكثر سلما. وانما هي كذلك مظهر من مظاهر الصراع السياسي بين دول تتنافس وتتصارع كلها من اجل اثبات انها هي الاقوى وهي الاحسن والاجدر بالفوز. واخيرا ماذا سيفعل البرازيليون بعد نشوة الفوز بكأس العالم مع مشاكلهم اليومية واوضاعهم الاقتصادية المتدهورة وديونهم المتصاعدة؟ وهل بامكان كرة القدم ان توحد الكوريتين؟ ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة