ليس هناك خلاف على أن الاصلاح الشامل في المؤسسات الفلسطينية ضرورة لحشد الجهد من أجل التفرغ للدفاع عن عدالة قضية الشعب الفلسطيني، بل هو مطلب شعبي منذ فترة، لأنه يمهد لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن لا أعتقد أن الرئيس الأمريكي جورج بوش قد قصد في بيانه بشأن الشرق الأوسط هذا النوع من الاصلاحات خاصة الاصلاحات الديمقراطية، رغم أن بوش يفترض أنه رئيس أكبر دولة في العالم المتحضر تدافع عن قيم الديمقراطية. غير أنه يبدو أن الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة بشأن الديمقراطية لا تتعدى اطارها النظري، حيث أن هناك رؤية أمريكية مغايرة لشكل الاصلاح السياسي المراد في السلطة الفلسطينية ليس سرا أنها قد تمت صياغتها خلال الزيارتين الأخيرتين اللتين قام بهما رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون لواشنطن، ومن الملاحظ أن هذه الرؤية تنصب على عملية «خلع» الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وكأن عدم اقصائه عن السلطة أصبح العقبة أمام احلال السلام المنشود في الشرق الأوسط!! والحقيقة أن المسألة تتلخص في أن الادارة الأمريكية وحكومة شارون فشلتا في التعامل مع شخصيات السلطة الفلسطينية الحالية بما فيها عرفات أو بتعبير أكثر وضوحا فشلتا في «ترويضها» لتصبح دمى يتم تحريكها وفقا للارادة الأمريكية التي هي لسان حال السياسات العدوانية الاسرائيلية الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية ومصادرة حق شعب في الحياة الحرة الكريمة والتي ناضل من أجلها منذ أكثر من نصف قرن!! العقبة الحقيقية ويرى البعض أن من الجوانب الايجابية في بيان الرئيس الأمريكي عن الشرق الأوسط أنه طرح فكرة اقامة دولة فلسطينية موازية للدولة العبرية، لكنه لم يحدد الكيفية التي تتم من خلالها اقامة هذه الدولة واكتفى بطلب اجراء اصلاحات في المؤسسات الفلسطينية واعتبر ذلك شرطه الأساسي لكي يتم التوصل الى تسوية لمشكلات الشرق الأوسط!! والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: هل غياب عرفات سيعيد حقوق الشعب الفلسطيني؟ هل استبداله سيتم وفق ما يراه الأمريكيون والاسرائيليون؟ أم أن استمرار عرفات أو عدمه يعد رهنا بما يقرره الشعب الفلسطيني وهو صاحب المصلحة الحقيقية في أي تغيير أو اصلاح سياسي؟ اجابة التساؤلات تجعلنا نقرر أنه اذا كان غياب عرفات سيضع حدا لسياسة الحصار والتركيع والتجويع التي تمارسها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ويعيد الأطراف المعنية الى مائدة التفاوض والتقدم نحو التسوية النهائية الشاملة التي تضمن قيام الدولة الفلسطينية وتنهي سياسة التوسع الاستيطاني اليهودي في المناطق الفلسطينية وتقدم حلا جذريا لمشكلة اللاجئين.. أقول اذا كان غياب عرفات واختفاؤه سيحقق كل هذا من أجل التسوية السياسية النهائية، ففي اعتقادي أن الرجل لن يتردد لحظة في أن يراجع نفسه وينسحب من الصورة ويترك الساحة السياسية لقيادات جديدة يختارها الشعب الفلسطيني بملء ارادته وبواسطة الاسلوب الديمقراطي. غير أن الحقيقة التي تبدو معالمها في الأفق السياسي تقول بشفافية ووضوح أن المشكلة ليست في غياب عرفات ولكن المشكلة المزمنة تتجسد في عدم حيادية الراعي الأمريكي لعملية السلام في الشرق الأوسط ومن هنا تأتي المواقف الأمريكية دائما منطلقة من حقيقة التحيز التام لاسرائيل على حساب العرب. وبغض النظر عن التنميق اللفظي واستخدام التعبيرات الدراماتيكية، فإن بيان الرئيس الأمريكي قدم تفسيرا لاتفاق أمريكي اسرائيلي تم خلال اللقاء الأخير بين بوش وشارون على ان المنطقة ليست في حاجة الى تسوية سياسية ولكنها تحتاج ـ من وجهة النظر الاسرائيلية بالطبع ـ الى حلول أمنية تكفل حماية اسرائيل من عمليات المقاومة الفلسطينية المستمرة والمتصاعدة التي أفرزتها انتفاضة الأقصى وعجزت سياسات شارون عن مواجهتها، بدءا بخطة المائة يوم ومرورا بالجدار الواقي وانتهاء بالسور العازل!! وعليه يعتقد الأمريكيون والاسرائيليون أنه يجب أن تقود الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة قيادات أمنية أكثر منها سياسية تكون مهمتها بالاساس احتواء التيار المتبني للعمليات الاستشهادية، بعبارة أخرى أن الدور الأول لهذه القيادة البديلة هو تصفية المنظمات الفلسطينية العاملة في اتجاه تصعيد المقاومة.. وفي مقدمتها حركة المقاومة الاسلامية حماس ومنظمة الجهاد الاسلامي وحركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من الفصائل التي أضحت عاملا مؤرقا لمضاجع الاسرائيليين. المطالب الأميركية إن ما تريده الولايات المتحدة وبالطبع اسرائيل هو أن تأتي الاصلاحات المقترحة بمن يكون قادرا على القضاء على أي أشكال أو تنظيمات عسكرية وشبه عسكرية لحركات المقاومة الفلسطينية، بعد أن فشلت سلطة عرفات الحالية في القيام بهذه المهمة!! إذن الصيغة الأمريكية الاسرائيلية للاصلاح لا تتعلق - كما ركز عليها بوش في بيانه - بالتغييرات السياسية ذات الطابع الديمقراطي التي تساهم بشكل أو بآخر في إحياء حقيقي لعملية السلام المتوقفة في الشرق الأوسط، ولكن تستهدف هذه الصيغة حماية أمن اسرائيل!! والتساؤل الطبيعي في هذا السياق: هل يقبل العرب عامة والفلسطينيون خاصة أن يصبحوا أداة لتنفيذ سياسات اسرائيل؟! إن استمرار الحصار وعمليات الاجتياح والقصف المستمر من الأرض والجو للمناطق الفلسطينية، يؤكد أن اسرائيل لا يعنيها السلام أو التسوية السياسية وأن شارون ماض في مخططه العدواني غير عابئ بأي إدانة دولية، وأن الولايات المتحدة تعي تفاصيل هذا المخطط وما يحدث على الأرض الآن هو السعي الأمريكي الاسرائيلي لاجبار الطرف العربي على الخضوع والرضوخ لما تراه الولايات المتحدة متمشيا مع مصالح اسرائيل. ومن هنا جاءت الدعوة الأمريكية للتغيير تحت مسمى الاصلاح في المؤسسات السياسية الفلسطينية بمثابة املاءات على الشعب الفلسطيني، فهل يقبلها أم سيستمر في صموده؟! ـ كاتب مصري