ويقتضي هذا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال وأن نتجنب في الوقت نفسه، وبلغة أكثر صراحة، لعبة «الاحتماء بالإسلام» بحيث يصور كل نظام سياسي عربي ما يوجهه إليه الغرب، من انتقادات وكأنه هجوم على الإسلام. فواقعنا هو في النهاية من صنعنا، بنجاحاته (المحدودة) وإخفاقاته (الضخمة) والهجوم عليه، لا أقول ليس هجوما على الإسلام بل أقول قد يكون نتيجة من نتائج غياب الإسلام. وينطوي هذا الموقف على مخاطر أخرى من بينها أن نشعر كذبا بأننا مستهدفون دائما، ضحايا دائما، وأن دورنا في هذا الحوار جهاد مقدس. وهو فضلا عن ذلك يوهمنا - على مستوى رؤيتنا لذاتنا - أن أحوالنا تسير بشكل طبيعي، وأن كل ما يصدر عن «الآخر» من انتقادات نتاج تحيزات. فحوار الحضارات - بالأساس - ينصب على مفاهيم وأوضاع نتحمل نحن المسئولية عنها بشكل مباشر أو غير مباشر، كما أنه إن استهدف القائمون عليه إحداث تغييرات في قناعات أحد طرفيه يكونون واهمين، إذ يصبح حينئذ عملا من أعمال التبشير، وهو في النهاية غير قادر على شيء يتجاوز المزيد من الفهم المتبادل، وتحديد مساحات الاتفاق والاختلاف، وتبديد أكبر قدر ممكن من الأوهام في العقل الجمعي لطرفيه أو لأحدهما على الأقل، فهو في النهاية مرآة تعكس ما هو قائم بالفعل، ولا تعيد صناعته على نحو يبدو أفضل. وإذا كان للأنظمة السياسية الغربية أن تدعي أنها ممثل للحضارة الغربية برافديها الأساسيين الديني والعلماني وأنها تتمثل قيمها ( الخيرة والشريرة على السواء ) فإن للإدعاء ما يسانده إلى حد بعيد، فهذه الدول لا تتنكر لميراثها الثقافي الممتد بموجاته المتعاقبة، حتى لو كانت قيم هذا الميراث: العنصرية أو الصليبية، فهم في حالة تصالح مع الذات. وغني عن الذكر أن هذا لا يعني قبولنا هذه القيم، فقد نرفضها ونرفض محاولات تعميمها على ثقافات الأمم الأخرى، وقد نصطف لمواجهة ما يصيبنا من تبعاتها من مظالم، لكنهم في النهاية يصدرون في سلوكياتهم السياسية - إلى حد بعيد - عن ثقافتهم، والأمم تحافظ على مقومات وجودها حتى لو كانت أساطير. أما حالنا نحن فمختلف تماما، فثقافتنا العربية الإسلامية ثرية مركبة تزهو على غيرها - عن حق - بمنظومة قيمية تجمع بين التكامل والرقي والشمول والتواؤم مع الفطرة، لكنها للأسف الشديد على المستوى الرسمي مغيبة عمدا، أما موقف معظم شرائح النخبة الثقافية منها فهو خليط من الإنكار والاستهانة والتنصل بل أحيانا الاحتقار المعلن !! وبين أعدائها وأنصارها يدور سجال، يكاد يكون السمة الأوضح للخطاب الثقافي العربي خلال العقدين الماضيين، فعن أي حضارة نتحدث في حوار الحضارات: الحضارة الوافدة التي هي حضارة الطرف الآخر في الحوار ليصبح الحوار حوارا مع الذات يصدر طرفاه عن المنظومة القيمية نفسها؟ أم الحضارة التي تضرب بجذورها في المكان والتاريخ دون أن يكون لها نصيبها في واقعنا المعاش؟ وإذا تجاوزنا حدود الحوار ومضمونه إلى آلياته، وجدنا أن ما نتصور أنه حوار حضارات، لا يعدو أن يكون حديثا إلى النفس «مونولوج» لا يتحدث لغة الآخر، حتى ينجح - أو يفشل في التواصل معه وصولا إلى التأثير في قناعاته. كما أنه حتى الآن اعتذاري يسرف في الانفعال دفاعا عن ماضي حضارتنا، أو سجالي استعراضي يجد المشاركون فيه متعة خاصة في استعراض قدرتهم على تفنيد الخطاب الغربي.