هل نحن أسرى النظرية التجزيئية للنجاح التي ترى استحالة تعميم النجاح على ادوار الانسان المتعددة التي تسند اليه، وهل نحن ضحايا تلك الفكرة التي تجبر الانسان على الاختيار بين ادواره المختلفة ليسعد بالنجاح في احدها ويكون الاخفاق حليفه في بقيتها؟!! البعض من الناس يرى ان النجاح في العمل وفي البيت وفي العلاقات الاجتماعية مع المحافظة على القيم الاخلاقية، والسلوكيات الايجابية في خط واحد مستقيم يجمع بين تلك الدوائر الانسانية المتعددة شيء في حكم المستحيل، وهو اقرب الى الخوارق منه الى الاشياء ممكنة التحقيق!! فمثل هؤلاء الناس يرون انه لابد من الانتقاء بين تلك الادوار، واختيار اهمها ليكرس الانسان لها حياته، ويبذل فيها وقته، لأنها ـ باعتقادهم ـ هي وحدها من سيجلب له السعادة الحقيقية، وهي وحدها المرشحة لتكون في المرتبة الاولى من حيث الاهمية في حياة أي انسان!! اما لماذا اختيار دور وحيد واستبعاد الادوار الاخرى من دائرة الاهتمام فلأن من يفكرون بهذه الطريقة هم اسرى تلك النظرية التفكيكية لأدوار الناس والتي انساق اليها كثيرون دون ان يعطوا انفسهم مهلة كافية في اختبار مدى جدارتها لتكون السيدة المطاعة والفكرة الاثيرة لديهم، والتي تملك وحدها حق توجيههم في الاتجاه الذي تريد!! انها آفة في التفكير ولج في عالمها الغريب اناس كانوا مؤهلين ليكونوا آباء ناجحين، وموظفين متميزين، واصدقاء حميمين مع اقرانهم وزملائهم، ولكن باندفاعهم نحو اختيار الفكرة الانتقائية للنجاح آثروا دوراً واحداً واستبعدوا ان يعطوا بقية الادوار من جهدهم واهتمامهم ما تستحق من العناية والحظوة. اما ما ساهم في صناعة مثل هذا المزاج الحاد للمنتمين لهذه النظرية الناقصة فهي تلك السطحية التي لا تملك الادوات الصحيحة التي تحرك بها أذهان الناس نحو الوصول الى الحقائق، واكتشاف أفق اكثر قدرة على حماية الانسان من نتائج التجارب المرة التي يخوضها البعض نتيجة الجهل وسوء التقدير، وانعدام التوازن في الرؤية او في الأحكام!! إن هذه الثقافة العرجاء انتشرت في بعض الاوساط الاجتماعية، وسادت بينهم، واستقبلها البعض وكأنها هي الحقيقة الساطعة، وكأن مضامينها هي آخر ما ابدعته العقول الخلاقة!! ويا للخيبة وسوء الطالع حين يتصدى لتعليم الناس من ليس مؤهلاً لذلك، والدليل ما يتردد على ألسنة اولئك المنتسبين زوراً الى عالم الثقافة بأن على الانسان ان يضحي بأحد ادواره لينجح في الدور الآخر، وبأن عليه ان يدفع ثمن احلامه، وهم في الغالب يوضحون ان ذلك الثمن المطلوب بذله هو احدى الدوائر المهمة التي يرتبط بها الانسان، كأن يبينوا للزوجة ان عليها ان تتقبل انشغال زوجها عن رعاية الاسرة من اجل تحقيق طموحاته، ويقولون لها بالحرف الواحد «عليك ان تضحي بعدم وجوده بين افراد العائلة، بل وبإهماله لشئون بيته»، كما انهم في مجال العلاقات الاسرية يفترضون دائماً ان رعاية الابناء يصاحبها «تضحية الآباء براحتهم من اجل ان يستطيعوا النجاح في دورهم التربوي» وهكذا تدور نظرية «التضحية» بدور معين في سبيل النجاح بدور آخر، حتى انك ـ ايها القاريء الكريم ـ لو تتبعت مادة «ضحى ـ يضحي» في قاموس ألفاظهم، واردت ان تحصي عدد المرات التي تتكرر فيها هذه الكلمة مع الاختلاف فقط في تصريف احرفها من فعل الامر، الى الماضي، او المضارع لاجتمع لك قاموس كبير يمكن ان تسميه «ضحوا تقبل الله ضحاياكم» اما لماذا يستحيل النجاح دون تضحية بأي دور من الادوار الانسانية فجوابه لدى تلك العقول الفارغة الا من الاوهام والظنون!! ان هؤلاء الادعياء رواد الفكر المعتل لا يستطيعون للحظة واحدة ان يمنحوا اتباعهم مجرد التفكير في امكانية الاستمتاع بالادوار دون الحاجة الى مثل هذه التضحيات الجسيمة التي يفرضها مثل ذلك الفكر المقلوب!!