ما الذي يحدث في هذا العالم والى اين نحن سائرون؟ سؤال يطرحه ما نشاهد من أحداث حولنا.. ونقف امام الاجابة عنه حائرين. حروب ما يكاد ينطفيء اوار احداها في منطقة حتى يشتعل في مناطق اخرى.. وكوارث ما ان يتم كفكفة دموع ضحاياها في بقعة حتى تفتك بآخرين في بقاع اخرى.. وصراع لا نهاية له على الحكم والسلطة.. على النفوذ والسيطرة على اليابسة والماء على الارض والفضاء. واثناء هذا كله نسأل ايضا عن موقع مشاعر اطراف هذا الصراع كله.. مشاعر الجلاد والضحية اللذين يشكلان طرفي القضية.. والمحصلة ان الجميع ضحايا جنون يدفع بالبشرية الى هاوية سحيقة لا نجاة لاحد منها. وكلما استمعنا الى صوت الضحية تنامت لدينا الرغبة في الاستماع الى صوت الجلاد.. ذلك الذي يقوم بمهمة القتل، لاسيما اولئك الذين يؤدون المهمة من ابراج طائرة محلقة في السماء، لنعرف كيف يفكرون وكيف يمكن ان تضغط اصابعهم بدم بارد على ازرار شريرة لتسقط تلك القذائف التي تشعل تحتهم النيران وتقضي على الاخضر واليابس وتحصد من الارواح ما يزيد وينقص عدده حسب حظوظهم من الصيد الحرام، ان صح ان نطلق على ما يقومون بفعله صيدا. يصل الينا بعض ذلك احيانا عبر لقطات تلفزيونية قصيرة اخبارية الطابع دعائية المضمون يظهر فيها جنود يقومون بتحميل الطائرات والقاذفات بالصواريخ والقنابل، وهم يرسمون على وجوههم ابتسامات، كم نتمنى لو انها اخفت وراءها ألما حتى ولو كان ضئيلا. ذلك الصوت ـ صوت الجلاد ـ كنت على موعد معه قبل ايام من خلال مقالة منشورة في كتاب قديم عنوانه This I believe صادر في منتصف القرن الماضي. كاتب المقالة طيار اميركي تولى قيادة فرقة من فرق قاذفات القنابل التي عملت في الحرب العالمية الثانية، حيث حصل على اعظم الاوسمة. يقول «لويد جوردان» في مقالته التي اختار لها عنوانا «البشرية لم تزل في المهد»: (حدث ذات مرة ـ حين كنت احلق باحدى قاذفات القنابل في سماء اوروبا ـ ان آمنت بأبدية البشر! ولم تكن تلك اللمحة وليدة هزة عاطفية من نسيج الخيال المسرف، وانما تمخضت تلك العقلية التي ارهقتها ويلات الحرب الذرية بألوان من المرارة لا حد لها عن حقيقة واحدة، هي انك ستعرف الحقيقة وستتحرر نفسك بهذه المعرفة. كنت اطير وقتئذ فوق جبال الالب، ومرت في مخيلتي ذكرى هانيبال وهو يعبر هذه الجبال، مرت امامي مرور السحاب تتبعها صور من تاريخ الحروب البشرية كلها نظرت من حولي الى الجهاز الذي يقذف القنابل والى ما احدثته القنابل من اثر في معالم الارض التي اطير فوقها فتذكرت على الفور ان هذه الحرب ما هي الا واحدة من آلاف الحروب التي كتب على البشر ان يخوضوا غمارها وهي مع ذلك لم تعقهم عن التقدم، فأيقنت حينئذ ان الانسان مثله كمثل الشمس المتقدة، والسماء العطوف والارض وما عليها من آيات الله.. قد كتب له الخلود). يواصل جوردان بعد ان عبر عن مشاعره هذه وهو ذاهب لالقاء حمولة طائرته من القنابل: (جعلتني تلك الحرارة التي سرت الى هذا الوادي الدامي مقترنة بهذا الوحي المقدس، اوقن آخر الامر اني هنا اجد السبيل الى لون من ألوان السعادة التي كان من العسير علي ان اجدها، فأنظر كيف ان الحياة الموحشة التي كان كل يوم فيها يعتبر ميلادا جديدا قد لايأتي عليه الغد ـ تستحيل الى امل جديد في حياة مستقبلة.. وتلك حقيقة اذا ما نبتت في تفكير الانسان لابد ان تخلق له دنيا اخرى يستطيع الحياة فيها). هذه الفكرة الغريبة التي طرحها الطيار الحربي الاميركي قائد فرقة قاذفات القنابل في منتصف القرن الماضي، حاول ان ينقلها الى ابنائه ليدركوها عن طريق غير طريق المصادفة وهم يسألونه: «لقد قيل لنا ان القنبلة الذرية تقضي لا محالة على العالم القضاء الاخير، أليس كذلك؟» فيعلق: (اني استطيع الآن ان احدثهم عن ابدية الانسان حديثا قويا مؤمنا، فأقول: لقد قال الناس ذلك يوم اخترع الرمح ثم قالوه ثانية عندما ابدعوا القوس والسهم وثالثة حين اخترعت البنادق والرصاص والطائرات والقنابل، ولكن هناك من فوق هذه القوى الهدامة كلها قوة تفوقها جميعا.. وهي السبب في بقاء الناس على سطح الارض حتى الآن اكثر عددا وأصح بدنا وذلك بفضل ما اوتينا من علم ومعرفة لم يتح مثلهما من قبل، فتذرعوا بالصبر يا أولادي على الرغم من هذه المآسي، ان البشرية يا آولادي لم تزل بعد في المهد طفلة مثلكم، ان عمر الارض ملايين السنين لا نعرفها في حين عمر الانسان نحو ستة آلاف سنة لا اكثر). نسدل الستار على مشهد الطيار الاميركي القادم من اعماق القرن الماضي لننتقل الى مشهد جديد لم تمض عليه سوى ايام قلائل حتى ان دماء الضحايا التي سفكت فيه لاتزال تحتفظ بحرارتها: ـ كانت القرية المنسية مستقرة في حضن الجبل تحتفل بيوم من ايام افراحها التي غدت نادرة منذ اكثر من عقدين من الزمان، لبس العروسان الشابان اللذان ولدا في اتون الحرب وبين لظى نيرانها المتقدة ملابس الفرح وهما يحلمان بدخول عالم جديد ينسيهما كل ما عاشاه وشاهداه على مدى اعوام عمرهما الحافلة بأصوات طلقات البنادق وانفجارات القنابل والصواريخ وازيز الطائرات، كان كل من حولهما يحاول ان يتعلم صناعة الفرح التي نسيتها قرى ومدن هذا البلد المحكوم عليه بالمعاناة منذ عشرات السنين، وكانت اصوات الطبول والموسيقى والغناء تتردد في المكان، بينما انهمك الاهل والاصدقاء والمدعوون في الرقص واطلاق الرصاص جريا على عادة اهل هذا البلد احتفاء بهذه المناسبة السعيدة النادرة. وفي السماء كان سرب من الطائرات يحلق باحثا عن عدو اصبح اقرب ما يكون الى الخيال بعد ان تحول الى شبح، وبينما كانت اصوات الفرح تشنف آذان المحتفلين على الارض كان ازيز الطائرات في السماء يعلن اقتراب لحظة القضاء على الحلم، وفي لحظة طيش او رعب او جنون ـ او سمه ماشئت ـ تضغط اصابع الطيار على زر من ازرار طائرته لتنطلق قنبلة من برج الموت المتحصن به في السماء، يسقطها فوق جموع المحتفلين على الارض معلنا اغتيال الفرح وتبدد الحلم وازهاق ارواح اربعين من الصغار والكبار وجرح مئة وعشرين او يزيد. حدث ذلك في قرية «دهرواد» في ولاية اوروزغان شمال قندهار بأفغانستان. جنسية الطيار والطائرة كانت اميركية، اما التبرير الذي ساقته وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» فهو ان الطائرة قد قامت باسقاط القنبلة بطريق الخطأ!! المشهد الذي اغلق عليه الستار حتى ساعة كتابة هذا المقال كان كالتالي: ـ وزارة الدفاع الاميركية شكلت لجنة للتحقيق في الموضوع.. اي انه دخل سراديب معتمة لن يخرج منها. اهل العروسين والمحتفلين الذين حصدتهم القنبلة (بطريق الخطأ) ذهبوا لمواراة قتلاهم الثرى بعد ان قبرت الفرحة في صدورهم. الطيار الاميركي الذي اسقط القنبلة (بطريق الخطأ) عاد الى قاعدته سالما وربما خلد الى النوم. اما نحن ـ جموع النظارة ـ فمازلنا بانتظار ما سيكتبه طيار القرن الحادي والعشرين ليقرأه من سيأتي بعدنا. فهل تراه سيعيد ما قاله زميله طيار القرن العشرين أم ان لديه جديدا؟ ليقل ماشاء، فيقينا ان مشاعر البشرية المذبوحة قد ضلت طريقها الى المهد، فلم تعش طفولتها لانها سيقت الى مثواها الأخير قبل ان تولد وكان اللحد هو مهدها الموعود