لا شك ان أهم مشكلة تجثم على كاهل الشرق الأوسط اليوم تتعلق باحتمالات السلام والحرب بين العرب والاسرائيليين. وسواء عقد مؤتمر لتدارس شئون المنطقة هذا الصيف أم لم يعقد وسواء جاءت الاصلاحات السياسية في السلطة الفلسطينية متجاوبة مع الضغوط الاميركية والاسرائيلية، أم ملبية للمطالب الشعبية المحلية، فإن من المعتقد ان مساعي السلام ستستمر وان مفاوضات مكثفة سوف تعقد في يوم ما، بصرف النظر عن نتيجة هذه المفاوضات، وعما ستؤول إليه، فلا أحد يعرف ما إذا كانت التسوية السلمية ستبرم بالفعل أم لا، ومتى، وهل ستكون منصفة أم مجحفة ولكن هناك أمراً واحداً يكاد يكون مؤكداً، وهو ان السلام إذا قُيّض له ان يخيم على ربوع منطقتنا المضطربة، سواء تم هذا وفقاً لمشروع كلينتون الذي قبله ياسر عرفات مؤخراً، بعد ان كان قد رفضه في حينه، أم لمشروع بوش الجديد الذي يربط بين «الاصلاحات الديمقراطية» في السلطة الفلسطينية وبين قيام دولة فلسطينية، أم لغيرهما، فإنه سيكون دولياً ومفروضاً. وبتعبير آخر، فإن موانع السلام لدى الطرفين العربي والاسرائيلي لن تسمح لأية مفاوضات محلية بينهما بالنجاح إلا إذا جرى تدخل دولي فعال ومؤثر لحسم نتيجة المفاوضات المحتملة، واخراجها من عنق الزجاجة، وتخليصها من عوائق المساومات والتسويفات والمناورات. فهناك في الجانب العربي والفلسطيني كثيرون ممن يعدون السلام مع الاسرائيليين أمرًا مُحرماً لأنهم يرون فيهم مجرمين وقتلة، ومغتصبي حقوق. وكذلك الحال، يوجد في الطرف الاسرائيلي، متعصبون ومتطرفون مستعدون لتكفير كل من هو مستعد لاعادة شبر واحد من الأراضي العربية المحتلة. وهذا معناه، ان أية مفاوضات محلية بين طرفي النزاع، لا يمكن بحال من الأحوال ان يُكتب لها النجاح، إلا إذا امتدت إليها يد التدخل الدولي، الذي يتبعه حسم وفرض للحل. وهذا الاحتمال قائم بالفعل، وله ما يبرره على أرض الواقع العملي، فهناك قوى عالمية لا يستهان بها، من مصلحتها احلال السلام في الشرق الأوسط، وهي قادرة على فرضه قانونياً، عندما تكون مستعدة لدفع الثمن الذي يتطلبه هذا السلام، مثل المساعدات المالية والضغوط السياسية وغير ذلك، ولكن هناك من يقول بأن ما حدث مؤخراً في الضفة الغربية من اقتحام وحشي اسرائيلي، ضمن نطاق ما يسمى بعملية «السور الواقي» وكذلك التلويح باعادة الادارة المدنية الفلسطينية التي كانت قائمة قبل اتفاقيات أوسلو، قد خلق من الضغائن وخيبات الأمل والمآسي، ما يجعل السلام أمراً شبه مستحيل. ولكن، لنعد قليلاً إلى الوراء، ولنستحضر إلى ذاكرتنا ما حدث في يوغسلافيا السابقة، عندما قام الصرب بارتكاب فظائع ومذابح يندر ان نجد لها مثيلاً في التاريخ ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، وكل من تابع ما جرى من أحداث شنيعة وسفك دماء وهتك أعراض وتشريد وما شابه ذلك شعر بأن من المستحيل ان يقوم سلام في يوم من الأيام بين الأطراف التي خاضت غمار الصراع، ومع ذلك فقد تحققت التسوية في هذه المنطقة من العالم. والسبب واضح جداً، وهو ان القوى العظمى هي التي فرضت هذا السلام، بشكله القانوني، وإن كانت عاجزة عن استئصال جذور الكراهية العميقة في نفوس الأطراف التي كانت متخاصمة. وهذا معناه ان السلام الشامل إذا حلّ في الشرق الأوسط فإن ذلك قد لا يعود إلى الاعتقاد بأن معظم العرب والاسرائيليين راغبون في تحقيقه، وتواقون إلى العيش معاً في وفاق ووئام، وإنما مرده أسباب أخرى. وكما أسلفنا فلو تفاوض هؤلاء وتحاوروا وحدهم عشرات السنين على موائد المفاوضات، وفي الندوات والمناظرات فإنهم لن يصلوا إلى أية نتيجة، لأن الفجوة بين مطالب كل طرف من الطرفين على درجة كبيرة جداً من الاتساع بحيث لا يمكن ردمها إلا بالفرض والالزام. وإذا قلنا ان السلام قد يأتي، ولو بعد حين، فإن قناعتنا تستند إلى اتجاهات النظام العالمي الجديد الذي يضع بين أهدافه الرئيسية حل النزاعات الاقليمية في جميع أنحاء الأرض، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. ويقوم هذا النظام عملياً في الوقت الحاضر، على قُطب واحد هو القطب الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة التي تتحكم عملياً بمصير العالم، أما القطب الشرقي، فهو شبه مجمد، وتأثيره محدود جداً. ان النظام العالمي الجديد يستقي أغراضه، حسبما يعلن، من القناعة المتزايدة بأن المآسي المفروضة على الانسان فرضاً، مثل الأمراض الفتاكة المستعصية، والسرطان والايدز والجلطات الدماغية والقلبية، وتصلب الشرايين والشلل، وغيرها، والكوارث الطبيعية كالزلال والأعاصير والفيضانات والجفاف، وكذلك المشكلات البيئية كالتلوث والتصحر والاحتباس الحراري، تكفي لكي تقضّ مضاجع البشرية، وتهدد مستقبلها بأوخم العواقب، فلماذا إذن نضيف إلى كل ذلك مشكلات جديدة يصنعها الانسان بنفسه، مثل النزاعات المسلحة؟ ومن خلال هذا التفكير الجديد، انطلقت الرغبة في حل جميع النزاعات بين أبناء البشر أينما كانوا، بطريقة تدريجية وبطيئة وحسب أولويات معينة. ونحن نرحب بالنظرة الجديدة ولكننا طبعاً نأسف، لأن حل النزاعات كثيراً ما يتم على حساب الشعوب الضعيفة، وبشكل ينسجم مع مصالح الدول الكبرى وحدها. إن مشكلة الشرق الأوسط هي واحدة من المشكلات التي يخطط النظام الجديد لحلها. كما ان أميركا بالذات مهتمة بهذه المشكلة اهتماماً خاصاً لأسباب عديدة، وهذا ما يجعلنا نعتقد بامكانية حلول السلام بين العرب واسرائيل على المدى البعيد، ولكن بالطريقة التي تراها أميركا وحلفاؤها، على الأغلب. وبتعبير آخر، فإن التسوية المقبلة المحتملة ستأتي مفروضة ودولية، ولن يرضى عنها الطرفان المتنازعان، بشكل كامل، لأنها من المستحيل ان تحقق مطامح كل منهما: فبالنسبة للعرب، هناك شكوك بشأن اقامة دول فلسطينية كاملة السيادة والمواصفات ولا سيما بعد ظهور تقليعة ما يسمى (بالدولة المؤقتة) كما ان من المُستبعد ان يتحقق حق العودة بالشكل الذي يقبلونه. أما بخصوص اسرائيل فإن المجتمع الدولي لن يسمح لها بقضم أجزاء كبيرة من الأراضي العربية، وان كانت ستحقق ما تصبو إليه من تطبيع واعتراف دبلوماسي وافتتاح سفارات وفتح حدود وعلاقات تجارية وسياحية وتعاون اقتصادي ومائي وهي أمور كان العرب يعارضونها أشد المعارضة، ولكنهم أخيرا قبلوا بها بموجب مبادرة ولي العهد السعودي. وعلى كل حال، إذا كان السلام المحتمل القادم ممهوراً بختم الأمم المتحدة، فربما يكون أقرب إلى مفهوم العدالة، لأن «الحل الدولي» أفضل من «الحل الأميركي»، بالطبع. ـ كاتب سوري