فرض تعبير «حوار الحضارات» نفسه على الخطاب الإعلامي والسياسي في الشرق والغرب على السواء عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد بدأت هذه الأحداث تتخذ موقعا مركزيا من تتابع الأحداث السياسية العالمية، بوصفها نقطة مفصلية. وما بين الهجمات التي شهدها هذا اليوم والدعوة لحوار الحضارات من صلة يستوجب التوقف، حيث لم يستطع أحد حتى الآن - باستثناء منفذي الهجمات أنفسهم - أن يقطع على وجه اليقين بنسبة الحدث إلى فاعله، فكل ما لدينا كما هو معروف ترجيحات تقبل النقد والنقض وتحيط بها التساؤلات. فإذا كنا قد عجزنا عن الوصول إلى معرفة بحقيقة من قام بالهجمات، وبالتالي دوافعه، على وجه اليقين، فكيف نجزم بأن ما حدث سببه غياب حوار الحضارات؟ وقبل الحديث عن مضامين هذا الحوار وآلياته وجدول أعماله، ينبغي أن نستقري موقف النخبة الثقافية في عالمنا العربي والإسلامي من الفكرة، فأنصار «صراع الحضارات» موجودون في الجانبين، ومن الإنصاف الإقرار بأن العداء مرض مشترك قد تختلف نسبته ومظاهره من طرف لآخر لكنه موجود في المعسكرين. وكما أنه ليس مرضا ينفرد به الغرب، فإنه ليس من أمراض غطرسة القوة التي تغري الأقوياء بإنكار حقوق الضعفاء بل إنكار إنسانيتهم، فمن الضعفاء أيضا من ينزعون أعداءهم من سياقهم الإنساني، كبشر فيهم نوازع الخير والشر، ويصورونهم في صورة شيطانية خالصة، ومن ثم يميلون إلى خيار الصراع بمحض إرادتهم. كما أن من مثقفينا من يرفض الحوار مع الغرب مبدئيا، بل يعتبر الحوار - مجرد الحوار - أيا كان موضوعه فخا تآمريا من جانب الغرب الذي يعرضه، أما من يستجيب للدعوة من أهل الجنوب / الشرق فهو خائن وعميل و... إلى آخر «قائمة التهم المعلنة» على حد تعبير الشاعر أمل دنقل. ويذهب البعض إلى أن الثقافة الغربية أو الفكر الغربي السياسي يستدرجنا ويجرنا إلى حوار الحضارات والأديان وكأن المشكلة بيننا وبينه هي الدين، وهذا منطق صهيوني وهو صهيوني لأنه يصبح صك ملكية اليهود لفلسطين. ( المفكر اللبناني الدكتور جورج قرم في حوار مع مجلة الشاهد القبرصية يوليو 2002 ). ولا شك في أن هذا الموقف يتماشى بشكل مباشر مع رؤيتنا للصراع العربي الصهيوني ودور البعد الديني فيه، فحوار الأديان الإسلامي المسيحي بين المرجعيات الدينية تدور جولاته منذ سنوات دون أن يثير مثل هذه التحفظات، لكن مثل هذه التحفظات تطرح تساؤلا عن السمة المميزة لحضارتنا إذا لم تكن الإسلام بمعناه الحضاري، فماذا تكون؟ ورغم ما لكاتب هذه السطور من تحفظات على ما يطرحه الدكتور جورج قرم - وهو عينة ممثلة لشريحة واسعة من النخبة الثقافية العربية - فإنه يدعونا إلى محاولة ترسيم الحدود بين حوار الأديان وحوار الحضارات، فقد يكون مشروعا بل نبيلا - أو هو كذلك بالفعل - أن تستفزنا جميعا الإساءة إلى الإسلام: عقيدة وشريعة، لكن الرد على مثل هذه الاستفزازات يكون في سياقه الطبيعي إذا أخذ شكل حوار بين مرجعيات دينية، أما حوار الحضارات، فينصب بالأساس على مفاهيم ثقافية أمدها الدين برافد لكنه لم ينفرد بإنتاجها. والأمر نفسه ينطبق على ظاهرة النيل من العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، فتلك في النهاية قضية من قضايا التاريخ التي يصلح الحديث عنها في الأوساط الأكاديمية المتخصصة أكثر مما يصلح في المنابر الإعلامية والمنتديات السياسية، كما أن تغير موقف الغرب منها لا ينتظر أن تترتب عليه نتائج إيجابية ذات بال على صعيد العلاقة بيننا وبين الدول الغربية، ككيانات سياسية ذات تصورات محددة ومصالح اقتصادية وسياسية آنية. فإذا كنا نميل إلى القول - كما أشرت في البداية - إلى أن غياب حوار الحضارات سبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإن إصدار الغرب ألف وثيقة تنصف العصر الذهبي من تاريخ حضارتنا الإسلامية لن يكون سببا في منع هجمات مماثلة.