في احيان كثيرة تمر علينا دون ان ننتبه مفردات وكلمات وجمل وصور ومواقف حياتية لا نقف امامها طويلاً، الا ان الذاكرة، تستدعيها في لحظة ما من مكنونها ومخزونها الخفي وتستحضرها لتطلقها بشكل مثير، فنقوم دون ان ندري بتنفيذ عملية فنية تعتمد على القص واللصق، وكأننا بصدد عمل مونتاج لفيلم سينمائي طويل يعتمد على الحركة والاثارة. من منّا مثلاً توقف في يوم ما عند كلمة سكر وبحث في تفاصيلها وأهميتها، ومن منّا استوقفته ملاّحة الطعام او حافظة الفلفل، وبحث في الاضافة المثيرة التي يتركها اثرهما في الطعام من نكهة وطعم لذيذ. يبدو ان اغلبنا في هذا الزمن المتواصل باللهاث اليومي لا يجد وقتا للتأمل في التفاصيل الصغيرة، فلا يعيرها اهتمامه او وقته، فقطار العولمة المتسارع والمندفع بكل قوة يكاد يطغى بصوته على الاصوات الاخرى، فلا يجد المرء وقتاً لالتقاط الانفاس والنظر بعين التأمل الى ما حوله من معطيات تبدو احيانا صغيرة لكنها مهمة لا نستطيع التخلي عنها. اقول ذلك بعد ان اخذتني ذاكرة الملح الى زمن بعيد يقطع اكثر من 30 عاما، فقد رأيت بأم عيني ذاك المد الابيض الذي يسمى «المملحة» ورأيت في وسطه اناساً يعملون دون تؤدة على تكويم تلال صغيرة بيضاء، بينما آخرون ـ يهّمون بتعبئة اكياس متناثرة هنا وهناك من تلال الملح الصغيرة ـ والمشهد نفسه رأيته دون تغيير في الجنوب التونسي في منطقة تسمى وادي الملح حيث البياض يكسو الارض بشكل مثير يصل ربما الى حد جرح العين بهذا اللون الثلجي. فالملح ذاك الابيض الممتد الذي عرفته الحضارات المتعاقبة، غابرة كانت أم حاضرة، فارتسم في ثقافتها اليومية وانتشى باسمه وذوقه لا يزال يرسم اسمه على ابواب اي ثقافة قادمة يصارعها ويصرعها .. فالملح ما يطيب به الطعام، يذكر ويؤنث، وقد اشتقت العرب في كلامها من الملح استخدامات ومفردات ومواضع كثيرة، فهي تقول للطائر كلما كثرت سرعة خفقانه بجناحيه مَلَحَ الله فيه، اي بارك له في عيشه، وتقول عن الشخص الذي بينك وبينه مودة، فلان يحفظ حُرمَةَ الممالحة، وهذه العبارة نفسها يرددها العامة الآن في ادبياتهم فيقال: بيني وبينه خبز وملح، اي عشرة حسنة. كما تقول العرب لعديم الذمة والوفاء والعشرة، فلان مِلحُهُ على ركبتيه، اي لا وفاء له ولا عهد، او يقال: مِلحُهُ على ذيله، اي ناكر للجميل، وتسمي العرب قائد السفينة الملاّح نسبة للريح التي تجري بها والملح الذي لا يفارقه، كما اطلقت الاملح على الندى الذي يسقط بالليل على اوراق الشجر وذلك لشدة بياضه. وقال الشاعر قديما: ولو تَفِلَتْ في البحرِ والبحرُ مالحٌ لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا ويقال مَلَح الرجل، اي اغتابه، ومَلُحَ مَلاحَةً ومُلُوحة، اي حَسُنَ وبهج منظره، فهو مليحٌ ومُلاحٌ، ومَليح كذلك تقال للشخص الذي يتكلف الظرف والملاحة، واستملح الشيء، وجده مليحاً حسناً، ويقال للفتاة مليحة لحسنها وظرفها، فها هو أحد الشعراء يطلق عنان قصيدته الدالية في وصف فتاة أثارته بجمالها وحسنها فينشد: قل للمليحة بالخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متُعبد قد كان شمّر للصلاةِ ثيابه حتى وقفتِ له بباب المسجد والأمر الذي جعلني أمالِحُكم هذه الاستراحة مشهدٌ قصير شاهدته في أحد الافلام استدعى ذاكرة الملح لدي واستحضرها امامي، والمشهد كان عبارة عن رجال تتقطع بهم السبل في ادغال افريقيا، ويستبد بهم العطش، ولا يملكون معهم في رفقتهم سوى بقايا كيس صغير من الملح، وتتفتق لدى احدهم فكرة مثيرة لدى مشاهدته احد القرود، فيأمر اصحابه بالقبض على القرد، وفعلاً يتم الامساك به، ومن ثم يأتي صاحب الفكرة بكيس الملح ويفرغه في فم القرد عنوة حتى يتأكد من وصوله الى معدته، ومن ثم يأمر اصحابه بترك القرد لحال سبيله شريطة اللحاق به، فيجري القرد ويلحقه الرجال حتى يصل بهم الى النهر ليطفأ ناره من لهيب الملح وحرقته وينقذ الرجال من موت محقق. ومثلما انقذ هذا الرجل بذكائه الفطري اصحابه من الموت عطشا باستخدام لغة الملح، انقذ المهاتما غاندي قبله شعباً بأكمله من خلال ثورة الملح الشهيرة التي اطلقها، فدخل الملح معززا مكرما القاموس السياسي بعد ان كان مكانه مائدة الطعام والمطبخ فقط! وتختلف ثقافات الشعوب مع الملح، فمنهم من يرى انه يحفظ الانسان من العيون الشريرة والحسد فتراهم يُعلّقون كسر الملح على مداخل بيوتهم ومحلاتهم وسياراتهم، ومنهم من يرى انه يجلب الحظ والسعادة، وآخرون يعتقدون ان الاكثار منه في شهور الحمل الاولى يسهم في انجاب الاولاد. وهكذا يرش الملح في الهند عند الزواج، ويعلق في الصين ومصر لطرد الارواح الشريرة واتقاء لعيون الحساد. ويصبح اساسا للعشرة الطيبة عند العرب منذ جاهليتهم الاولى وحتى الآن! وكان للملح اهمية كبيرة هنا قبل ان تدخل الكهرباء ويعرف الكثيرون الثلاجات، فقد كان الاهالي يستخدمونه لحفظ الطعام من التلف وخاصة اللحم، حيث يتم طبخه بالماء المالح وعندما ينضج يترك حتى يجف، ثم يوضع في اناء وترص على جوانبه قطع الملح فلا يفسد حتى ولو مرت عليه أيام ثلاثة. ربما يرسم احدكم سؤالا بريئا فيقول لماذا تكلمت عن الملح ولم اسرد حكاية السكر؟! فأجيب: حتى ارفع ضغط بعض الناس.!