هل يمكن اعتبار ما جاء في خطاب الرئيس الاميركي بمثابة مبادرة جادة لايجاد حل ومخرج لمشكلة الشرق الاوسط؟ ام هي مجرد املاءات وأوامر صريحة يوجهها الرئيس الاميركي، للاطراف المعنية وعليهم ان ينفذوها لكي تشارك الادارة الاميركية في صنع السلام في الشرق الاوسط؟ يجب الاقرار ان الخطاب موجه اساسا للدول العربية كلها قبل ان يوجه الى السلطة الفلسطينية، لان الادارة الاميركية تعرف مسبقا موقف السلطة من نواياها وتصوراتها وتعرف ان السلطة سوف ترفض الشروط الاميركية كما رفضت سابقا الشروط والاقتراحات التي كانت تقدمت بها الادارات الاميركية السابقة لانها في حقيقتها تمس بالمطالب الفلسطينية المشروعة، ولذلك ارادت الادارة الاميركية ان تستعمل ورقة العرب لكسر جماح السلطة الفلسطينية، وركزت في خطابها على شخص ياسر عرفات الذي اعتبرته شخصية غير مرغوب فيها ومعرقلة للسلام ويتعين استبدالها كشرط للحصول على ما اصبح يعرف كمصطلح سياسي جديد «الدولة المؤقتة». وقد ضربت الادارة الاميركية على وتر هذه «الدولة المؤقتة» لاغراء الدول العربية بأن الادارة الاميركية جادة فعلا لاقامة دولة فلسطينية مستقبلا، ولاقامة هذه الدولة يتعين على العرب اساسا والفلسطينيين ان يعملوا من اجل ارغام او اقناع ياسر عرفات بالتنحي عن السلطة لكي لا تضيع فرصة لا تعوض لاقامة دولة فلسطينية طال انتظارها منذ اكثر من خمسين سنة، فماذا تخسر السلطة الفلسطينية والدول العربية ان ازاحت ياسر عرفات وجاءت بشخصية سياسية ترضى عنها الادارة الاميركية كمقايضة للحصول على هذه الدولة المزعومة؟ ان ما اقترحه جورج بوش لا يمكن اعتباره مبادرة لاحلال السلام في الشرق الاوسط، بل تضمن خطابه شروطاً هي مطالب اسرائيلية في الاساس وقد نقلها الرئيس الاميركي بامانة للعرب والفلسطينيين، وطالبهم بابعاد ياسر عرفات وكل المسئولين المشاركين في المفاوضات وتنصيب مسئولين ومفاوضين مقبولين يمكن ان يوافقوا على المقترحات الاسرائيلية والاميركية اذا كانت هناك جولات اخرى من المفاوضات. ان اسرائيل لم تعد تقبل بصيغة السلام على اساس الشرعية الدولية، لانها تعرف ان التقيد بالشرعية الدولية معناه انها ستنسحب من الاراضي التي احتلتها عام 1967، وهي تعرف ان كل مسئولي السلطة الحاليين وعلى رأسهم ياسر عرفات متمسكون بالشرعية الدولية كأساس لاي ترتيبات للسلام، وتمسكهم هو الذي عرقل المفاوضات السابقة لان اسرائيل ترفض الالتزام بالشرعية الدولية والحل هو البحث عن قيادة جديدة لا تلتزم بالشرعية الدولية وتكون توجهاتها (معتدلة)، اي ان ما تريده اسرائيل هو قيادة تابعة لها ويكون رئيسها مطيعا للاوامر يتلقى تعليماته من الادارة الاميركية وهي في الاساس تعليمات اسرائيلية. بمعنى آخر ان خطاب جورج بوش يدعو العرب الى البحث عن «انطوان لحد فلسطيني» ترضى عنه الولايات المتحدة الاميركية وتقبل به اسرائيل كمفاوض عن الشعب الفلسطيني هذا ما نفهمه من خطاب الرئيس الاميركي. اكثر من ذلك لماذا نسف الرئيس الاميركي المبادرة العربية الاخيرة التي وافقت عليها الدول العربية في قمة لبنان؟ الم يعلن العرب صراحة انهم يعترفون باسرائيل ولا يريدون سوى اعادة اراضيهم المحتلة؟ فلماذا تعقد الادارة الاميركية الموضوع وتبتعد عن جوهره وتلجأ الى الاملاءات والاوامر كشرط لاعادة الاراضي؟ وحتى هذه الاراضي المحتلة ليس هناك ضمان لعودتها كلها لان الاشخاص الذين تريدهم الادارة الاميركية واسرائيل كعملاء لها لا يمكن ان يطالبوا بما طالب به اسلافهم المفاوضون الذين يوصفون بالمتطرفين والارهابيين. الحقيقة ان السلطة الفلسطينية في مأزق حقيقي وبالاخص رئيسها ياسر عرفات، فالخطاب يضعه في خانة الشعور بأنه سبب مأساة الفلسطينيين وسبب توقف المفاوضات وقيام الدولة، فان قبل بالتنحي عن السلطة ففي هذه الحالة (حسب ما يفهم من شروط الرئيس الاميركي) سوف تتوقف الهجمات الاسرائيلية وتستأنف المفاوضات من جديد وسوف تقام الدولة الفلسطينية المؤقتة فهل يقبل عرفات وهو يفكر مع نفسه بالشروط الاميركية لتحقيق مطالب الفلسطينيين؟ اذا تمسك عرفات بقيادته للسلطة الفلسطينية يمكن ان تطلع اصوات من داخل فلسطين ومن الدول العربية تصفه بالمعرقل لمبادرة الرئيس الاميركي وبأنه قاتل آمال ومستقبل الشعب الفلسطيني ويتهم بأنه يريد التمسك بكرسي السلطة لا غير، اما اذا قبل بالتنحي عن السلطة ففي هذه الحالة يكون حقق لشارون حلم عمره بأنه الزعيم الصهيوني الوحيد الذي هزم ياسر عرفات وارغمه على التنحي من السلطة، عندها يمكن له ان يعود الى مزرعته ويقضي ما تبقى له من عمره مرتاح البال هذا ما يريده شارون ويعمل جورج بوش من اجل ان يحقق له امنيته الغالية. ـ كاتب جزائري