من القصص الطريفة في الفلكلور الشعبي الأوروبي أن مواطنا يهوديا ذهب إلى حاخام يهودي يشكو إليه ما يعانيه من ضيق منزله المزدحم بأسرته الكبيرة ، وبعض الدواجن والقطط فأمره أن يشتري بقرة، وذهل الرجل من أمر الحاخام ولم يجد مفرا من الطاعة، وبعد قليل ذهب إليه يخبره أن الأزمة أصبحت كارثة فأمره أن يشتري حمارا، وانصاع اليهودي لأمر الحاخام فأصبح البيت مرتعا لكائنات كثيرة تتزاحم وتختلط أصواتها. وذهب اليهودي إلى الحاخام منهارا فأمره أن يشتري كلبا فانصاع لأمره ثم انقطع عن التردد على المعبد خوفا من أن يأمره الحاخام بشراء فيل!! وبعد أيام أرسل الحاخام في طلبه وسأله عن مشكلة ضيق المنزل فأجابه بأنه اعتاد الأمر الواقع، فأمره الحاخام أن يتخلص من البقرة، وبعد أيام ذهب اليهودي وهو يبكي فرحا لأنه تخلص منها وعاد إلى البيت شئ من هدوئه. وظل الحاخام كل فترة يأمره بالتخلص من حيوان اشتراه حتى عاد البيت إلى حالته الأولى، فشعر اليهودي أن منزله فسيح، وأن شكواه لم يكن لها ما يبررها!! وتلخص هذه القصة أسلوبا من أساليب العمل التي ورثتها مؤسسة الديبلوماسية الصهيونية، فلكي تجبر خصمها على قبول ما ترضى أن تعطيه تفرض عليه موازين قوى تدفعه إلى قبول الأمر الواقع بغض النظر عن عدالته أو منطقيته. وقد كتبت مقالا نشرته « البيان » في 24 مايو 2001 كان عنوانه «فلسطين المحتلة تصعيد أم تمهيد ؟ » وكان المقال محاولة لتحليل ما كانت تشهده الأرض المحتلة من تصعيد شديد، ولا بأس من استعادة بعض ما ورد فيه بعد أن بدأت الأحداث تسير في اتجاه ما تنبأ به المقال. « فهاجس (الأمن) الذي أتى بالسفاح شارون إلى كرسي رئيس الوزراء..... تحول خلال الفترة القليلة الماضية من حلم إلى كابوس. وتأكد أنصاره أن مزيدا من العنف الصهيوني يعني مزيدا من الضربات الموجعة في قلب ( الكيان ) والنتائج السياسية بعيدة المدى لهذه التجربة قد تكون أكبر من الدلالات المباشرة للأحداث. وإذا كانت انتفاضة الأقصى التي ما زالت مستمرة حتى الآن قد أثرت في أمن الكيان الصهيوني تأثيرا عميقا، فإن لها وجوها أخرى يستفيد منها الكيان الصهيوني استفادة كبيرة». «فهذا التصعيد ليس فقط نتيجة رد الفعل الفلسطيني على زيارة شارون للمسجد الأقصى، بل هو تمهيد نيراني يسبق المعركة الأكبر. فخلال مسيرة الصراع العربي الصهيوني لعب الكيان الصهيوني مع العرب لعبة (السقوف المنخفضة) ويقصد بها أن يعرض باستمرار مشروعات للتسوية السياسية يعلم مسبقا أن العرب لا يمكن أن يقبلوها، ثم يستخدم رفض العرب في تقديم نفسه للعالم في صورة الراغب في السلام المحاصر ببحر من الأعداء الدمويين المتعطشين للحرب. وللصورة التي ترسمها كل دولة لنفسها دور مهم في السياسة الدولية. وفي هذه المرحلة من التسوية يرغب الكيان الصهيوني في الوصول إلى تسوية نهائية تتضمن أكثر الموضوعات خطرا ( القدس، اللاجئين، الحدود النهائية).. وهي أهداف من الضخامة بحيث تحتاج إلى تمهيد نيراني مناسب». إنه تمهيد نيراني دموي لمعركة ستكون المفاوضات فيها مجرد بروتوكول للتوقيع، وما واجهه الفلسطينيون بصدور عارية قد يواجهه المفاوض الفلسطيني وظهره للحائط، بعد أن قدم الفلسطينيون تضحية قد تكون الأكبر في تاريخ الصراع العربي الصهيوني مقابل تسوية قد تكون أسوأ من كل ما رفضناه جميعا». قبل أيام أعلن ياسر عرفات قبوله مقترحات الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون التي رفضها في مفاوضات كامب ديفيد الثانية، وهي المفاوضات التي كان فشلها الذريع السبب الرئيسي في اندلاع انتفاضة الأقصى، بينما كانت زيارة شارون للحرم القدسي سببها المباشر، وبلغة أكثر وضوحا كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، أما ما وفر للغضب وقوده فهو « الصدام التفاوضي » الذي شهده منتجع كامب ديفيد. وقد أشبع الخطاب الرسمي والإعلامي العربي مقترحات كلينتون تفنيدا وصبت أقلام كثيرة غضب أصحابها على الرئيس الأميركي المنحاز للكيان الصهيوني، لكننا وقبل أن ينقضي النصف الأول من ولاية خلفه نعلن - على لسان عرفات الذي يلح خطابنا الرسمي على أنه الرئيس المنتخب - قبول هذه المقترحات بعد أن انفتحت شهية الكيان الصهيوني والولايات المتحدة معا لالتهام المزيد من حقوق الفلسطينيين. وسواء كان عرفات جادا أو غير جاد فيما أعلن، فهو يواجه هجوما رسميا أميركيا كاسحا يستهدف وجوده، فإن ما حدث ستكون له نتائجه، بل ربما وجد من يرى فيه موقفا شجاعا « لإعادة الاعتبار» للمقترحات أو بيل كلينتون، أو إعادة الاعتبار لهما جميعا!! فمنذ أن قرر النظام الرسمي العربي تبني خيار التسوية السلمية وحمى إعادة الاعتبار تجتاح فئات كثيرة من النخب العربية. فقبول التسوية السلمية كان في نظر البعض مبررا لإعادة الاعتبار للسادات، وأخشى إن استمرت متوالية إعادة الاعتبار أن نعيد الاعتبار للصهيونية وآبائها المؤسسين، فالواقعية بدأت تتحول إلى «وقوعية» ، ومصطلح إعادة الاعتبار كان خادعا لدرجة أنه جعلنا قادرين على الاحتفاء بلحظات تراجعنا واعترافنا بالهزيمة.