في ذلك الصباح استيقظ الناس في مصر ليجدوه داخل بيوتهم.. تسلل الى فراشهم عبر موجات الراديو قبل شروق الشمس.. وفاجأهم بأنه عين نفسه زعيما عليهم.. ولم يكن شئ كهذا قد حدث في مصر من قبل.. فالزعماء في التاريخ المصري كله، كان الشعب هو الذي يكتشفهم ويخوض المعارك والأهوال من أجل أن يفرضهم على الخصوم الذين يرفضون الاعتراف بهم.. هكذا.. حدث مع عمر مكرم وأحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول.. كان الشعب يعرفهم قبل أن يصبحوا زعماء.. وكان هو الذي يدفعهم الى مواقع الزعامة. أما في ذلك الصباح - صباح 23 يوليو 1952 - فقد فوجئ الناس بزعيم لم يأخذ رأيهم.. ولم يسمعوا باسمه.. إلا بمناسبة تعيين نفسه زعيما لهم.. ومع ذلك.. لم يمض يومان حتى صار اللواء محمد نجيب زعيما بالفعل.. وزعيما بحق.. ومعبودا للملايين! أصبح محمد نجيب رمزا لكل ما يحلم به المصريون منذ آلاف السنين.. أصبح «مبعوث العناية الإلهية» لتحطيم القضبان التي تحبسهم.. والأغلال التي تقيدهم.. والبوابات التي تعوق نهر التدفق والاغداق.. وغمرت صوره الجدران والأرصفة وعلقها المصريون في المتاجر والمقاهي وغرف النوم.. وأثرى مئات من طبع هذه الصور وبيعها للجماهير المتعطشة اليها.. الصورة بنصف قرش. لكن.. هذا «المهرجان التاريخي» كان محالا أن يستمر.. فالزعامة التي تنشأ بقرار لا مفر من أن تنتهي بقرار.. ومحمد نجيب لم يكن هو الذي عين نفسه زعيما وإنما آخرون قد عينوه.. وعندما غيروا رأيهم عزلوه.. ولم يتحرك الشعب لنصرته.. لأن الشعب لم يكن قد اختاره. لقد اختاره الضباط الأحرار وعينوه ودفعوه ليكون واجهة لهم.. فكان سهلا عندما اختلف معهم أن يعزلوه ويبعدوه وينفوه.. لذلك.. كان طبيعيا - على حد قول الكاتب الصحفي الراحل «صلاح حافظ» - أن يعبر محمد نجيب «في سماء التاريخ المصري عبور الشهاب الخاطف.. وأن يلمع لحظات قليلة.. يبهر فيها أبصار الملايين ثم يتراجع الى الظل فلا تعود الأبصار التي بهرها ضوءه قادرة على تبين في الظل ملامحه». لكن.. ما لم يكن طبيعيا هو ما حدث لمحمد نجيب في ذلك الظل الذي اختفى فيه.. لم يقل له الضباط الأحرار: شكرا.. ولم يتركوه في حاله مغلقا على نفسه باب مسكنه الذي حددوا إقامته فيه.. لم يكلفوا خاطرهم بالانشغال بمصيره أو تحمل مسئوليته.. لم يلاحظوا أنه - بصرف النظر عن خلافهم معه - جزء من تاريخ مصر.. واسم يجب أن يصان ويحترم.. على العكس تماما عهدوا به الى الصغار الذين لا يأتمنونهم على أي مهمة جادة وتركوهم يعبثون به ويهينونه ويتسلون بإيذائه ويسخرون من شيخوخته.. عاملوه - كما يضيف صلاح حافظ - وكأنه أجرم يوم قبل التصدي دونهم لحبل المشنقة.. وتقدم يحمل المسئولية وهم مختفون وراءه.. وعاش الرجل مذهولا.. لا يفهم لماذا يحدث له ذلك.. «حتى» اللواءات «الذين حاربوا الثورة يوم نشوبها عادوا يواصلون حياتهم الطبيعية.. حتى جواسيس الانجليز أفرج عنهم.. حتى الضباط الذين حملوا السلاح وقادوا الدبابات ضد جمال عبدالناصر عادوا أحرارا ورفاقا محترمين.. إلا هو!». «ويوما بعد يوم.. وعاما بعد عام لم يعد الرجل - الذي كانت صوره تغمر بيوت الناس وتحلق فوق فراشهم في غرف النوم - يقدم على أن يشم نسمة هواء أو يشتري برتقالة أو يستقبل أولاده إلا إذا سمح له «الشاويش» على بيته - أو باب منفاه وسجنه - بذلك.. ويوما بعد يوم.. وعاما بعد عام بدأ يفقد اتزانه وصوابه وفهمه.. بدأت تشغله متاعب كلابه.. وتسابيح قططه.. وقوائم أدويته.. ومصائر ما تبقى من أولاده.. وطرد الى البدروم عشرات من الوثائق التاريخية الثمينة التي كان فيما مضى يحرص عليها.. وفي تلك الأيام بالتحديد عرفته من قرب. الصدفة.. والصدفة وحدها هي التي فتحت لي «قبو» التاريخ المظلم المسمى محمد نجيب.. هي التي حولتني من مجرد صحفي عابر يطرق أبواب أول رئيس جمهورية في مصر ويمضي الى حال سبيله الى صديق شخصي له.. يعرف كل أسراره.. ويعيش معه معظم حالاته.. ويفتش في كل صغيرة وكبيرة في حياته.. ويضع يده على ثروة من أوراقه الخاصة والعامة.. كان ذلك في صيف عام 1975. دخلت أقدم واجب العزاء في والد صديق فوجدته أمامي.. رجلا انحنى ظهره.. وابيض شعره.. وقدمت ثيابه.. يمسك بأسنانه «بايب» قديم متهالك يكاد يحترق من شدة الدخان.. وذهلت عندما عرفته.. ذهلت لأنني كنت أتصور أنه مات.. وأصبح في ذمة التاريخ.. ولم أكن أنا الوحيد الذي يتصور ذلك.. فكل جيلي الذي تربى على عشق جمال عبدالناصر والايمان به كان يتصور أن محمد نجيب مات وشبع موتا.. وقمت من مكاني في سرادق العزاء وجلست الى جواره.. وقدمت نفسي اليه.. وأخذت موعدا لزيارته.. وفتح حوار معه.. لكنني سرعان ما اعتذرت عن الموعد.. والحوار.. فقد كانت هناك حملة شرسة ضارية مشتعلة في مصر لحرق جمال عبدالناصر وتحويل كل ما يمت له بصلة الى ذرات رماد.. وخشيت أن يعطي حواري مع محمد نجيب فرصة لمزيد من البنزين الذي يصب على هذا الحريق فاعتذرت عنه. كان الاقتراب من محمد نجيب في ذلك الوقت فرصة لكل الأطراف المتشاجرة حول ثورة يوليو.. فقد كان خصوم الثورة يرتدون قميص محمد نجيب وكان أنصارها يعتبرون أي نقد يوجه للمعاملة القاسية التي لاقاها محمد نجيب هو تشهير بالثورة.. مع أنه لم يحترم الثورة إلا الذين لاموها على هذه المعاملة.. واعتبروها سقطة من سقطاتها. بعد سبع سنوات قادتني الصدفة مرة أخرى الى مستشفى «المعادي».. حيث سمعت صوتا هائجا.. يصرخ ويزعق ويتمنى الموت من الله.. كان محمد نجيب يجلس على مقعد متحرك في إحدى طرقات المستشفى وهو في حالة يصعب السيطرة عليها إلا بحقنة مخدر قوي.. وهو ما حدث.. وفي صباح اليوم التالي حملت اليه الزهور والفواكه وطرقت باب حجرته ودخلت عليه لأجده في حالة مزاج رائق.. وجلست اليه ندردش حتى العشاء.. تكلمنا في كل شئ.. حياته وهو طفل في السودان.. جراحه وأوسمته التي حصل عليها في حرب فلسطين.. زوجاته وأولاده.. وعلاقته بتنظيم الضباط الأحرار.. واتفقنا أن نواصل الحوار في بيته الذي عاش فيه منذ اعتقاله في 14 نوفمبر عام 1954 والذي كان استراحة ريفية للسيدة زينب الوكيل حرم الزعيم الوفدي الشهير مصطفى النحاس.. وهي استراحة تقع على بعد 40 كيلو مترا في منطقة المرج.. وقد استمر الحوار معه 3 أشهر.. وسجل على 49 شريط كاسيت.. وتحول الى كتاب حمل مذكراته كاملة صدر بعنوان «كنت رئيسا لمصر».. بخلاف كتاب آخر تضمن وثائقه الخاصة.. وهي وثائق احتفظت بنسخة منها لمتحفه الذي تجهزه الآن وزارة الثقافة ويشرف عليه الدكتور يونان لبيب رزق. كان البيت مهملا.. أعشاب الحديقة أصابها الاصفرار.. ورقد فيها على جانبه تمثال لزعيم الأمة سعد زغلول.. أما جدران البيت من الداخل فقد تساقطت طبقة فوق طبقة حتى كشفت الطوب الأحمر تحتها.. وسيطرت رائحة عطنة على كل الأركان.. بما في ذلك حجرة نوم محمد نجيب.. حجرة قديمة.. متهالكة.. لا تعرف البريق.. كأنها جزء من المأساة التي يعيشها صاحبها.. وفي الفراش كان محمد نجيب يضع الكتب والمجلات والصحف التي يقرأ فيها والعصا المصنوعة من الخيزران التي يتوكأ اليها.. وبجوار الفراش منضدة متوسطة من الخشب عليها الأدوية ومجموعة البايب وكوب ماء وأوراق مبعثرة وعلى المنضدة مفرش من المشمع الذي يستخدم عادة في المطابخ.. وأمامها ثلاجة صغيرة.. وبالقرب منها كنبة عليها كتب قديمة ينام عليها الكلاب والقطط أحيانا.. وبالقرب من الكنبة صناديق من الكرتون تمتلئ بأدوية وأوراق وصور عائلية.. وعلى الجدران صورة شخصية وصور للكعبة وبعض آيات القرآن وأحاديث للرسول ولعلي بن أبي طالب أغلبها يؤكد على معنى واحد هو أن النفع بيد الله والضر بيد الله ولو اجتمعت الأمة على غير ذلك. لقد جاء محمد نجيب الى هذا البيت بعد أن خرج من مكتبه بالقصر الجمهوري.. قصر عابدين في لحظة واحدة وبقرار لم يعرف أحد من الذي أصدره.. قال له كبير الياوران بالنيابة حسن كامل: «سيادة الرئيس إنك لم تعد رئيسا».. فرفع محمد نجيب سماعة التليفون وقال لجمال عبدالناصر: «إيه لعب العيال ده؟».. فرد عليه جمال عبدالناصر: «سوف أرسل لك عبدالحكيم عامر».. وبعد ربع ساعة جاء عبدالحكيم عامر ومعه حسن ابراهيم وقالا له في خجل ظاهر: «إن مجلس قيادة الثورة قرر إعفاءكم من منصب رئيس الجمهورية».. فرد محمد نجيب: «أحمد الله إنكم تعفونني من مسئولية لم يعد ضميري يحتملها».. وخرج من القصر الجمهوري حاملا المصحف فقط.. وركب مع حسن ابراهيم الى منفى المرج.. وقد قال لي محمد نجيب: «إن عبدالحكيم عامر قال له وهو يودعه ان اقامته في المرج لن تزيد على بضعة أيام يعود بعدها الى بيته».. لكن اقامته في المرج استمرت 29 سنة.. تقريبا. كانت أمنيته الوحيدة أن يموت في فيلا زينب الوكيل بعد أن عاش فيها كل هذه السنوات.. على أن يدفن الى جوار أبيه وخاله في السودان.. لكن ورثة زينب الوكيل حصلوا على حكم باسترداد الفيلا.. فلم يعد للرجل مكان ينام فيه.. وتدخلت الدولة ومنحته شقة.. وهكذا.. على حد قوله: «لم يختر المكان الذي يعيش فيه ولم يختر المكان الذي يموت فيه»... إن الزمن على حد قوله لي أيضا: يجبر الانسان على الألفة والتعايش على ما يكره.. ومع ما لا يريد.. حتى السجن والمعتقل.. «وقد كان بيني وبين هذه الفيلا عشرة وارتباط ومشاعر مشتركة بفقدان الحرية.. لقد أحست الفيلا نفسها بأنها هي الأخرى محبوسة.. فقد تحولت بقرار من استراحة صيفية ريفية الى معتقل موحش كئيب تحت حراسة مشددة».. منذ اليوم الأول لدخوله هذا المكان أحس محمد نجيب بأنه ألقى في الجحيم.. فقد سبقه أحمد أنور قائد البوليس الحربي الى الفيلا.. ووزع 20 نقطة حراسة قوية.. حول السور.. وفوق السطح.. وبين الحجرات.. وكان تسليح الجنود.. مدافع رشاشة.. وقنابل يدوية.. ومدافع صغيرة.. وراح أحمد أنور يتصرف في تلك اللحظة وكأنه قائد يدير معركة حربية شرسة.. وفي تلك اللحظة أيضا سارع الجنود بتجريد الحديقة من أشجارها وبتجريد الفيلا من أثاثها.. وبتجريد محمد نجيب من أوراقه وكتبه وتذكاراته.. وكل ما سمحوا له به هو وزوجته وأولاده: ثلاث حقائب بها ملابسهم الضرورية. وعكست هذه المعاملة نفسها في أوراقه التي حصلت عليها منه.. ففي يوم الأربعاء 17 نوفمبر 1954 الموافق 21 ربيع الأول والثامن من هاتور (شهر من الشهور القبطية) كتب يصف حالته الصحية قائلا: «هبوط في ضغط الدم وإحساس بالزهق ورغبة في التخلص من الحياة بعد نومنا على البلاط في فيلا زينب هانم الوكيل».. وفي اليوم التالي كتب: «قبل الافطار حصل لي هبوط شديد كالذي حدث لي أمس وكان النبض نحو 64 وكان لدي ميل للقئ ودوخة وقد أفطرت على شوربة خضار وكوب من الشاي ومحلول النعناع».. وفي يوم السبت 20 نوفمبر كتب: «أنا اليوم أفضل.. حاولت ممارسة رياضتي الصباحية لكن تعرضت لسخرية لم أحتملها من الضباط والجنود الذين يراقبونني».. وفي اليوم التالي كتب: «تليفون من أنور أحمد سبني فيه بأفظع الألفاظ».. وفي يوم الثلاثاء 23 نوفمبر كتب: «فوجئت بمجموعة من الحرس يدخلون علينا الحجرة التي أجلس فيها أنا وزوجتي ويجلسون بيننا.. حاولت أن أثنيهم عن ذلك.. عملوا ودن من طين وودن من عجين».. وفي اليوم التالي كتب: «لا أجد وسيلة أدافع بها عن أسرتي سوى أن أصلي وأقرأ القرآن وهذا ما جعلني لا أترك سجادة الصلاة ولا المصحف طوال هذا اليوم».. وكتب يوم الجمعة 28 نوفمبر: «سبني صلاح سالم وقال عني إنني مصاب بالشذوذ.. الى هذا الحد وصل مستوى هؤلاء الذين رفعتهم من رتبة الذل الى رتبة السلطة والنفوذ.. لو في البلد قانون محترم ما تجرأ أمثال صلاح سالم على أن يقول مثل هذا الكلام ولا حتى أقل منه.. لكني واثق أن الله سيريني فيهم يوما». هذه بعض من يوميات محمد نجيب الأولى بعد اعتقاله مباشرة.. وقد كتبها بخط دقيق جدا وبقلم رصاص رفيع جدا.. وهو ما صعب تصويرها.. واستخدمت عدسة مكبرة في قراءتها.. وكأنه كان يخشى أن يقرأها أحد.. خاصة وأنه في العادة يكتب ما يريد بخط واضح صريح.. وبقلم «كوبيا».. ويستخدم الكربون في كتابة أكثر من نسخة.. وهذا ما جعلنا نحصل على بعض هذه النسخ من خطاباته التي أرسلها الى جمال عبدالناصر يطلب فيها أن يشارك في حرب السويس عام 1956 على أن يعود بعدها الى منفاه.. وخطاباته الى عبدالحكيم عامر يشكو فيها مما يلقاه من معاملة الضباط الصغار.. وقد لخصها في تلغراف قال فيه: «السيد المشير عبدالحكيم عامر - النائب الأول لرئيس الجمهورية - القاهرة: أرجو من سيادتكم إرسال مندوب يرى بعينه ما نحن فيه من آلام واعتداءات - التوقيع اللواء محمد نجيب.. العنوان قصر المرج قسم المطرية.. التليفون: 86959 أو 8697575 والتاريخ: 11 أكتوبر عام 1965. وكانت هناك وثائق أخرى تمسك بالقلب وتصعقه من أول كلمة.. إنها قصة أخرى تستحق الانتظار. ـ كاتب مصري