على خطى أبناء المهاجرين العرب الأوائل الى بلاد الغرب، تطل شاكيرا على العالم. وشاكيرا هذه مغنية كولومبية ذات جذور عربية وسحنة شرقية وصوت يفيض عذوبة وشجناً، لا نجد من سماته إلا في غناء بلادنا. أجداد شاكيرا الذين هاجروا من جبل لبنان في نهايات القرن التاسع عشر وتوزعوا في الاميركيتين، حطّ بعضهم في كولومبيا، وهناك تعاقبت أجيال، وتكونت عائلات أنجبت من لدُنها ابناء وبنات اختاروا سبل حياتهم في بيئتهم الجديدة. ومن هؤلاء شاكيرا التي نشأت ابنة وحيدة في أسرة فنية عربية يرعاها والدها تاجر المجوهرات اللبناني الأصل وليام مبارك. قبل شاكيرا، تعرفنا والأجيال التي سبقتنا على فنانين مبدعين من أصول عربية برزوا في الغرب، كما شهدنا إنجازات آخرين من عباقرة العلوم والطب والتكنولوجيا، واستمعنا في سنوات تفتّحنا الأولى الى أغنيات بول أنكا )من عائلة عنقا السورية الأصل( وداليدا )ابنة مدينة سوهاج المصرية). ولاحقاً سلمى حايك )اللبنانية الأصل( القادمة من المكسيك لتغزو هوليوود، ومثلها ايضاً ماريزا تومي (من أسرة طعمة اللبنانية المقيمة في أميركا( التي بات اسمها مجاوراً لنجوم السينما الكبار. وربما يكون الشعور بالحب حيال هؤلاء فطرياً ونابعاً من وحدة الانتماء، لكنه أيضاً ينطلق من إعجاب بابداعهم وحضورهم بين نجوم الصف الأول. وإذ أتحدث عن شاكيرا، فلأنها جذبتني بسطوتها الإعلامية التي تثير التساؤلات، إذ لا تكاد تخلو مطبوعة أو صحيفة من أخبارها وصور حفلاتها. ما دفعني للاستماع الى أغنياتها لعلني أكتشف الإعجاب والدهشة التي وزعتها على الملايين من البشر بخاصة منهم الأطفال. وهذا يعيدني الى ثلاثة أشهر خلت، حين فاجأني «آدم»، ابن أخي الذي لم يتجاوز التسع سنوات، طالباً مني عبر الهاتف ألبوم شاكيرا الجديد، مؤكدا لي تعلقه وأترابه الصغار بهذه المغنية الحسناء. وأكثر ما لفتني عن شاكيرا حكاية كتبها غابرييل غارسيا ماركيز الروائي الكولومبي العالمي الشهير الحائز على جائزة نوبل للآداب، وهي كناية عن لقاء جرى بين الكاتب الكبير والمغنية الشابة، يرصد فيه ماركيز يومياتها وحركاتها وسكناتها، متناولاً بداياتها، حينما أطلقت أغنيتها الاولى في عامها السابع، وكتبت القصائد ولحنتها وهي بعد في سن العاشرة. ولعل ظاهرة شاكيرا لدى الأطفال من أكثر المسائل المثيرة للعجب، فقد أصاب ألبومها «أقدام حافية» في العام 1996 مشاعر هؤلاء الصغار في الصميم، مما اضطر وكلاء الدعاية والإعلان لتغيير سياستهم الترويجية، تناغماً مع اندماج الاطفال بموسيقاها وانخراطهم في الرقص والغناء معها في المهرجانات الفولكلورية على شواطيء الكاريبي. وأن يجري ماركيز حواراً مطولاً مع شاكيرا، فتلك شهادة من مبدع كبير ومتذوق ذي مستوى راق لفن الغناء. تضاف اليها إشادته بنزوعها الى القراءة والشعر،و إشارتهً الى كتابتها القصائد والقصص في سن صغيرة. تقول شاكيرا: «إذا لم أغن فسأموت» وهي عبارة تقال غالباً بلا مبالاة من فنانين كثيرين لكنها في حالة شاكيرا حقيقية فهي لا تشعر بسلامها الداخلي سوى على المسرح. ولأن صوتها يتمتع بنطاق طبيعي فإنه يتحمل الاجهاد، فقد غنت حتى وهي مصابة بالحمّى وأغمي عليها من الارهاق، لكن صوتها لم يتأثر بذلك أبدا. الجميل في شاكيرا، تلك العلاقة الرفيعة مع الجمهور، ففي الوقت الذي يغمر فنانون كثيرون خشبة المسرح بأضواء ساطعة لتجنب مواجهة «شبح» الحضور، تختار شاكيرا العكس، إذ تطلب تسليط أقوى الاضواء على عشاق صوتها لتتمكن من رؤية العيون المحدقة بها وهي تغني. شاكيرا كولومبية لكنها ولدت من رحم لبناني عربي، وميزتها انها فنانة مثقفة تتقن اختيار كلمات اغنياتها وألحانها، وتدرك بحسها العالي كيفية الوصول الى قلوب وعقول الأجيال المختلفة وربما يكون حب الاطفال لغنائها شهادتها الأجمل.