تخيل قارئي العزيز وأنت في سيارتك عائداً الى بيتك بعد نهاية يوم عمل، ودرجة الحرارة في أوجها، بالكاد يتمكن مكيف السيارة من ترطيب الجو فيها، في ذات الوقت، تسير امامك سيارة نقل «بيك آب» مكشوفة تابعة لشركة «مقاولات بناء تحمل اعدادا من العمال الذين يعملون لديها تلفحهم اشعة الشمس الحارقة في هذا الوقت من النهار مصاحبة بالهواء الساخن الذي تبعثه حركة السيارة التي تضطر في مرورها للوقوف عدة مرات إما بسبب الزحام الذي يكون خانقا قبل كل دوار او عند الاشارات الضوئية. هذا المشهد يتكرر يوميا في طرقاتنا مع الاسف وحالة نراها كثيرا في اوقات مختلفة من ساعات النهار .. ومخالفة صارخة لقرارات وتعميمات اصدرتها الجهات المسئولة تطالب خلالها شركات المقاولات وغيرها بتوفير مواصلات ووسائل نقل آمنة ومريحة لعمالها، ومنع نقلهم في سيارات النقل الخاصة بنقل مواد البناء وغيرها. حالة تدعونا للتوقف عند اصرار بعض هذه الشركات التي يمتلكها مواطنون وعرب وآسيويون على المخالفة بامتناعهم عن تأمين مواصلات مناسبة لعمالهم بدلا من الالقاء بهم «كشوالات البضاعة» على أرضية السيارة المكشوفة بطريقة أقل ما يمكن القول عنها انها تهين آدمية الانسان وتعرض صحته وسلامته للخطر. وهو موقف بلا شك يسيء الى مجتمعنا وأهله المعروف بالاحسان الى الغريب والفقير وحسن ضيافة من يفد اليه مهما كان الغرض من قدومه، موقف يتسبب فيه ثلة من المقاولين واصحاب شركات ومؤسسات البناء ضاربين بكل القيم والاعراف عرض الحائط في سعيهم لجمع اكبر قدر من الدراهم وانفاق القليل منها، مستغلين في ذلك حاجة هؤلاء العمال الى العمل وسعيهم وراء تأمين قوتهم وقوت عيالهم وأسرهم، وموافقتهم ايضا على أي وضع يوفره لهم صاحب العمل. لكن ذلك لا يعني ان نستمر جميعا في الصمت عليه، ونقبل به، بل ينبغي علينا جميعاً التصدي له وبكل حزم والعمل على صون حقوق الآخرين من بطش وطمع الطامعين، انطلاقا من مبدأ تبادل المنفعة والايمان بازدواجية الحاجة، حاجة العمال الآسيويين وغيرهم الى المال والعمل وحاجة البلاد الى مزيد من العمران والبناء، وحتى يتحقق طرفا المعادلة لابد أيضا من ان يسود العدل ويكون عنوانا للتعامل بين الجميع، وشعاراً يتخذه اصحاب العمل مع بداية كل يوم عمل.