تختلف التوقعات والتصورات في تقييم السياسة الأميركية الجديدة، فهناك تناقض يزداد وضوحاً كل يوم بين سياسة الولايات المتحدة، قبل الحادي عشر من سبتمبر، وبين السياسة الأميركية التي يطورها الرئيس الأميركي والفريق المحيط به منذ ذلك التاريخ حتى اليوم. وبينما يقع تناقض كبير في الرؤية والاتجاه بين أوروبا والولايات المتحدة، إلا ان السياسة الأميركية بدأت تأخذ اتجاهاً جديداً يبدو انه الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، السياسة الأميركية الجديدة لا تقوم على الاحتواء الهادئ أو المتوسط، ولكنها تقوم في هذه المرحلة على مبدأ التدخل الصاخب، تغيير بعض الأنظمة، وتوجيه ضربات بلا انذار لدول وجماعات ترى الولايات المتحدة انها تشكل خطراً عليها، وتشكل خطابات الرئيس بوش المتتالية منذ الحادي عشر من سبتمبر تعبيراً دقيقاً عن توجهات الفريق الحاكم والمؤسسة الأميركية برمتها، وذلك في ظل موازين قوى عالمية تسمح بهذا التطور، إذ بدأت تتبلور أسس مبدأ جديد في السياسة الأميركية قد يشكل التحول الأكبر لهذه السياسة منذ الحرب العالمية الثانية. ان التوجه الاميركي الجديد لو تبلور في الاتجاه الذي نراه الآن سوف يعني الكثير بالنسبة إلينا في العالم العربي، لأنه اتجاه جديد قد ينجح وقد لا ينجح، وهناك الكثير من الانتقادات الموجهة إليه عالمياً وعربياً، ولكنه في الجوهر اتجاه هجومي وليس احتوائياً أو دفاعياً، يسعى لاحداث تغييرات أعمق مما نتوقع أو نفترض ويستند إلى قوة دولة عظمى لا منازع حقيقياً لها في العالم. وقد تحولت منطقة العالم الاسلامي ومنطقة الشرق الأوسط إلى مدخل رئيسي ومركز أساسي لهذه السياسة الجديدة، فالادارة الاميركية مقتنعة اليوم بضرورة تغيير خارطة الشرق الأوسط السياسية على مستويات عديدة، والمقصود هنا شكل الحياة السياسية في العالم العربي، بعض الأنظمة الرئيسية، المناخ العام في مجالات الحريات والتنمية إذ تعتبر الولايات المتحدة وتعتبر تيارات رئيسية فيها ان هذا المناخ هو المسئول عن احداث الحادي عشر من سبتمبر وليس الصراع العربي الاسرائيلي الذي يتحمل مسئولية جزئية بالنسبة لوجهة النظر هذه. ومن الواضح ان الهدف الأكثر مفصلية لهذه السياسة بعد نجاح حرب الاطاحة بنظام الطالبان هو العراق، لقد أصبح العراق مرشحاً قوياً لثاني معارك اطاحة الانظمة بعد افغانستان، وتزداد فرص الضربة للعراق من خلال موافقة تركيا السرية على الضربة الموجهة للعراق والتي أخذ البيت الأبيض علماً بها، ومن خلال موافقة روسيا والصين الضمنية والمشروطة، ومن خلال قيام الشركات الروسية والفرنسية بالاتصال بالمعارضة العراقية ومن خلال ارتفاع درجة الترتيبات الأميركية. ان الاطروحات الأميركية الجديدة متأثرة اشد التأثير بما حصل في الحادي عشر من سبتمبر ولكنها بنفس الوقت تعكس مدى الأثر الذي تركته تلك الاحداث على جميع الفئات السياسية في الساحة الأميركية، فالحزب الديمقراطي الوسطي الاتجاه لا يعارض العمل العسكري الموسع على العراق، وأشد الناس اعتدالاً أخذوا عدة خطوات باتجاه اليمين، كما ان اليمين الذي كان يطرح أفكاره قبل الحادي عشر من سبتمبر اكتسب مع الحادثة الكثير من القوة والزخم، اذ تأكدت له قناعاته وازدادت مصداقيته وضعفت المعارضة لتوجهاته في الساحة الأميركية. ان المسألة المركزية بالنسبة لليمين مرتبطة بمستقبل الولايات المتحدة كدولة كبرى، اذ يرى ذلك التيار انه على الولايات المتحدة كدولة كبرى ان تتحمل مسئولياتها الدولية في ضمان دورها العالمي، وقوتها، وتفوقها، ومنع أي منافس جدي من تهديدها، لهذا ينطلق اليمين من دور الولايات المتحدة في قيادة الدول المترددة في معارك وحروب القرن الجديد والتي بدأت بما يسمى بالحرب على الارهاب، ويرى اليمين ومعه قطاع كبير من الساحة السياسية الأميركية ان الخطر القادم من الارهاب الذي يضرب عصب الاقتصاد والحياة يساوي الخطر القادم سابقاً من الاتحاد السوفييتي، لكن التوجه الجديد لا يعني العودة لعصر الاستعمار، فالولايات المتحدة تعرف ان هذا غير ممكن وان السيطرة المطلقة على الآخرين لمدد طويلة ليست ممكنة، ولكن السياسة الجديدة تعني ان الولايات المتحدة بإمكانها ان تتصارع مع منافسيها من خلال استغلال نقاط ضعفهم، فعندما تكون الأنظمة وعلى الأخص العربية ضعيفة في الداخل، معزولة نسبياً في الخارج، مليئة بالفساد المادي، وغير ديمقراطية، تصبح بطبيعة الحال عرضة للاضعاف والتحجيم والتغير عندما تقرر دولة كبرى ذلك، هذا الدرس هو الذي تسعى الولايات المتحدة لتحويلة إلى وسيلتها في المرحلة المقبلة حيث تتطلب ذلك. ان مخاطر المرحلة المقبلة تفرض علينا الكثير من اعادة النظر في السياسة العربية، وتتطلب الكثير من التفكير في الموقف الدولي المرتبط بالولايات المتحدة وكيفية التعامل معه وتتطلب معرفة باتجاه هبوب الرياح وذلك للتأثير عليها والتخفيف من مضارها. ـ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت