الدورة الخامسة والثلاثون لمجلس وزراء الاعلام العرب باشرت أعمالها وأصدرت قراراتها وانفضت، بدون أن نعرف ما الذي دار خلالها بشأن «المفوضية الاعلامية» التي تم الاتفاق على إنشائها العام الماضي. وكانت هذه المفوضية، التي أسندت إدارتها للدبلوماسية والمتحدثة الفلسطينية البارزة حنان عشراوي، قد اعتبرت أحد مظاهر التطوير المؤسساتي التي توخاها للجامعة العربية أمينها العام عمرو موسى فور توليه منصبه. وللإنصاف، فإن أحد قرارات الدورة يدعو وزراء الدول الأعضاء إلى سداد أنصبتهم في التمويل اللازم لتنفيذ الخطة الاعلامية الصادرة عن المجلس. ولا نعلم يقينا إن كان لهذا القرار صلة بما قيل عن معاناة عشراوي من الشح المالي، وهي بصدد تطبيق خطة إعلامية أعدتها غداة انتدابها! مما أدى إلى اعتكافها وغموض مصير المؤسسة المستحدثة عاجلا. القرار لا يوضح إلى أية خطة يشير. لكن المجلس وافق على إنشاء ما أسماه «مرصدا عربيا «في إطار الجامعة يكون مقره إحدى العواصم الأوروبية أو المدن الأميركية. وحدد مهمته في» الدفاع عن المصالح العربية من خلال رصد ومتابعة وتجميع المواد الإعلامية وغيرها، التي تهم الدول العربية وصورة العرب في الخارج والتنسيق الفوري بشأنها مع الدول والمؤسسات والهيئات العربية المعنية. وبهذا يكون النظام العربي قد أضاف إلى هيكليته بناء أو مؤسسة إعلامية أخرى، قبل أن تتضح كلمته الأخيرة حول المؤسسة الإعلامية التي أطلق فكرتها العام الماضي. ندرى أن الصحوة العربية تجاه دور الاعلام في المواجهات القائمة بين العرب وغيرهم، ذات الطبيعة الصراعية أو الحوارية، هي التي تحفز هذا النظام على تعزيز آلته الاعلامية الثقافية الأمر الذي يبدو معه تضخيم الآلة وتعزيز فعاليتها وجهوزيتها ظاهرة طبيعية ومبررة. غير أن هذا التضخيم قد يكون سبيلا إلى التضخم والتزاحم أو الإزدواجية وتنازع الاختصاصات وقبل ذلك وبعده، تبديد الموارد وهدر الطاقات ورفع التكلفة المقدرة لعائد واحد. نأمل بالطبع أن لايكون هذا التراكم المؤسساتي نتاج إحساس عربي بالغفلة الممتدة عن تأثير واحدة من أقدم أدوات التعامل الدولي في حالات السلم والحرب. فمثل هذا الإحساس، وما يتأتي عنه من سيطرة مبدأ سرعة اللحاق بالقطار، من شأنه تحقيق مردودات عكسية، قد تضر بأكثر مما تجدى. ثم إنه إحساس لا صحة له من الأصل، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار تجربة النظام العربي ذاته ذلك أن ما يطلق عليه «المرصد» - الذي سيؤول بالتداعي إلى مجموعة من المراصد الفرعية - يكاد يكون رجع صدى حديث لمفهوم «المكاتب العربية» ، الذي عرفه النظام العربي منذ كان جنينا. فأثناء الاجتماعات التحضيرية لتأسيس الجامعة العربية، لفت بعض المسئولين المشاركين النظر لأهمية ما وصفوه بالدعاية لقضية فلسطين بين الأمم الأخرى.وفي أوائل مجالها على مستوى وزراء الخارجية ـ ولم تكن وزارات الإعلام العربية قد نشأت بعد ـ اتخذت الجامعة قرارا بإنشاء «مكاتب الدعاية العربية في العواصم العالمية المؤثرة».. وعهد إلى ممثل فلسطين بالجامعة آنذاك موسى العلمي بتأسيس ثلاثة منها في كل من القدس ولندن ونيويورك، وتم تأليف مجلس إستشاري لهذا الغرض. ويمكن استكناه شدة الإنشغال بهذا المنظور في ذلك الحين والتعجيل بتطبيقه دون رويه من أن مجلس الجامعة لم يحدد صفة تلك المكاتب ولا اختصاصاتها ولا صلتها به إلا في دورته الثانية (31 أكتوبر -14 ديسمبر 1945)، وكان ذلك عقب الشروع في إنشائها بستة أشهر. وتذكر المصادر أن هذا التحديد جاء بعد أن مارس العرب هوايتهم التقليدية في الإختلاف حول هذه الأمور وفي وقت تال ثار الخلاف مجددا حول ما إذا كانت المكاتب معنية بغير المسائل الدعائية وعلى نطاق أوسع من القضية الفلسطينية إلى أن إنتهى الأمر بازورار الدول العربية عن دعمها عدا العراق الذي غذاها بالمال لبعض الوقت.