حققت كوريا الجنوبية مكاسب كبيرة مالية وإعلامية وسياحية من مشاركتها اليابان في احتضان نهائيات كأس العالم 2002، فقد استطاعت أن تعود إلى واجهة الأحداث «الإيجابية»، بعد الظلال التي خيمت على نهضتها الحديثة بسبب الكارثة الاقتصادية التي ألمت بـ «النمور الآسيوية» التي كادت أن تقضي على أهمية صناعاتها المتطورة، وبشكل خاص الإلكترونية التي حققت فيها ما يشبه المعجزة، ثم ألقت الأزمة الاقتصادية اليابانية خلال السنوات الأخيرة أيضا بظلالها على الاقتصاد الكوري نظرا لارتباطهما الجغرافي الذي يجعل من الكوري يابانياً ومن الياباني كوريا في أسواق الغرب والشرق معا، بالنسبة لأوروبا الغربية كل ما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات هو ياباني حتى لو كان مصنوعا في كوريا الجنوبية.! من خلال كأس العالم حقق أيضا الشعب الكوري الجنوبي وجوده الإعلامي لأول مرة بعيدا عن تأثير «الملامح» التي ترتسم على وجوه أفراده، وتجعل منه إما صينيا أو يابانيا، لأول مرة تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع الملامح الكورية على أنها ملامح إيجابية متفردة، على الرغم من تشابهها مع غيرها من ملامح شعوب منطقة جنوب شرق آسيا، وتعرفت شعوب أوروبا الغربية، والعالم أجمع على وجود ما يعرف باسم «كوريا» الجنوبية بعيدا عن وجود كوريا الشمالية التي تعيش حاليا وضعا اقتصاديا صعبا. لكن هذا الاكتشاف الخارجي تبعه اكتشاف ذاتي، فقد وجد الشعب الكوري نفسه فجأة أمام تاريخه الخفي، أو تاريخه الذي حاولت طمسه الحكومات التابعة للولايات المتحدة والغرب تحت مسميات «الديمقراطية» المتعاقبة في سيئول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بخسارة اليابان وخروجها من شبه الجزيرة الكورية مخلفة من ورائها استعمارا أميركيا امتد إلى ما يزيد على نصف قرن، ولا يزال يسيطر على السياسة الخارجية للبلاد في ظل احتلال تحت مسميات مخففة، منها وضع قوات الاحتلال الأميركي تحت مسمى «قوات صديقة». كشف المستور منذ انتهاء الحرب الكورية بتقسيم شبه الجزيرة إلى شطرين: كوريا الشمالية في ظل سيطرة حزب شيوعي، ودعم صيني وروسي غير مباشر، والجنوبي في ظل سيطرة رأسمالية أميركية مباشرة، والإعلام الغربي وبشكل خاص الموالي للولايات المتحدة يحاول أن يقدم كوريا الجنوبية وكأنها النموذج «الحر» الذي يجب أن يحتذى لتحقيق رفاهية الشعوب. كانت الولايات المتحدة تضع كوريا الجنوبية نموذجا للمقارنة بين ما تعيشه شعوب جنوب شرق آسيا في ظل حكومات مدعومة من واشنطن في مواجهة الأوضاع السائدة في البلاد التي تدعمها كل من الصين والاتحاد السوفييتي السابق، باعتبارها دولا تقمع شعوبها وتمارس ضدها أقسى الأعمال الوحشية. بفضل نهائيات كأس العالم بدأ الشعب الكوري الجنوبي يواجه فجأة ماضيا «أسود» من القمع والقتل والاغتيال على أيدي تلك الحكومات التي يعتبرها الإعلام الغربي النموذج الديمقراطي الحقيقي، ويكتشف أن تلك الجرائم راح ضحيتها عشرات الآلاف من أفراد الشعب الكوري في ظل توجيهات من الجيش الأميركي «الصديق»، بل وبدعم مباشر منه لمجرد الاشتباه في «هوية» من أعلنوا رفضهم لاستبدال الاحتلال الياباني بالاحتلال الأميركي. كانت جزيرة «شيجو» المقبرة التي تضم ذلك الماضي القديم بكل ما يحمله من قمع وتعذيب وقتل واغتيال وإعدام بلا محاكمة أكثر من ستين عاما، وجاءت أحداث نهائيات كأس العالم 2002 لترفع عنه تراب الزمن، وتكشف عن قمع الرأسمالية وجرائمها التي ارتكبتها خلال محاولتها إقامة نظام «ديمقراطي» يحتذي النموذج الأميركي. جاء هذا الاكتشاف في إطار الدعاية الإعلامية للمناطق التي ضمت المباريات الهامة شاء الحظ أن تقوم مجلة «دير شبيجل» الألمانية بإعداد بعض التحقيقات الصحافية في المناطق المحيطة بالملاعب التي ينتقل إليها الفريق الألماني خلال مراحل مسابقة كأس العالم المتعددة، وكانت جزيرة «شيجو» واحدة من تلك المناطق التي تم الدعاية لها لجذب السياحة الأوروبية إليها، وكان الحديث عن تلك الجزيرة يركز على الطبيعة الخلابة التي تمتاز بها تلك الجزيرة عن غيرها من أراضى كوريا الجنوبية التي تغطي المصانع الملوثة للبيئة جزءا كبيرا منها. إلا أن هذه الطبيعة التي تمتاز بها تلك الجزيرة كان يقف من ورائها سر ظل طي الكتمان منذ انتهاء الحرب الكورية عام 1948، وحاولت الحكومات المتعددة التي تعاقبت على حكم الشعب الكوري الجنوبي إبعاد أي فرد تسول له نفسه بالبحث في الكهوف التي تحفل بها مرتفعات الجزيرة، وساعدها على تحقيق هدفها الجيش الأميركي المرابط هناك كقوة احتلال غير معلنة، تماما كما هو الحال في كل البلاد التي ترى الولايات المتحدة أنها يجب أن تخضع لنفوذها المباشر، حتى لا تتعرض مصالح الشركات الأميركية والمتعددة الجنسيات لأي خطر، وذلك من خلال عقد اتفاقيات غير متكافئة بين الولايات المتحدة وتلك الدول تسمح للجيوش الأميركية بالعمل في حرية كاملة، وربما بحرية لا يتمتع بها الجنود الأميركيون داخل الولايات المتحدة نفسها، مقابل الدعم الكامل للحكام الذين يمكنهم أيضا ارتكاب كل الأعمال الخارجة عن القانون دون تعرضهم للمساءلة من قبل شعوبهم أو أي مؤسسات دولية أخرى. اكتشف الشعب الكوري فجأة أن الجيوش الأميركية «الصديقة» التي حررته من الاحتلال الياباني ارتكبت ضده جرائم لا تقل بشاعة عن تلك التي ارتكبها الجيش الياباني، ولكن بما أن التاريخ يكتبه المنتصرون فقد تم إخفاء تلك الجرائم تحت ركام الوثائق التي حاولت أن تدين فترة الاحتلال الياباني. تؤكد الوثائق التي تحفل بها أرفف المخابرات الأميركية، وأيضا أرفف الأرشيف السري للحكومة الكورية الجنوبية ان سكان تلك الجزيرة تعرضوا لعمليات إبادة لم تحدث من قبل في تاريخ تلك المنطقة، وأن أقل التقديرات تؤكد أن ضحايا عام من القمع لا يقلون عن ثلاثين ألفا من الفلاحين والصيادين والرعاة الذين اعتقدوا خطأ في كلام واشنطن المعسول عن الديمقراطية والحرية. الصداقة الدامية كان سكان الجزيرة قد نظموا مقاومة عنيفة ضد الاحتلال الياباني خلال فترة الاحتلال السابقة على حرب التحرير، وبانتهاء تلك الحرب عام 1945 بتقسيم شبه الجزيرة الكورية بين شمال وجنوب، شاء حظ سكان جزيرة «شيجو» ان تكون تحت خط العرض الوهمي «38» الذي اخترعته الولايات المتحدة لوضع أقدامها في تلك المنطقة بعد هزيمة اليابان. لكن أحلام سكان الجزيرة لم تتوقف بل زادت آمالهم في الحصول على حكم ذاتي نتيجة لاختلاف نظرتهم لجدوى تلك الحرب التي خاضوها أولا ضد الاستعمار الياباني ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة حكومات عملية لاحتلال جديد حل محل الاستعمار القديم، ولما طالبوا بان تكون لهم حرية الاختيار قام البوليس الكوري الجنوبي بإطلاق النار على المظاهرات السلمية التي انطلقت هناك في الثالث من إبريل عام 1948، ليفتح جرحا جديدا لا يندمل في حياة هؤلاء الفلاحين والصيادين العزل. إطلاق النار على المتظاهرين العزل دفع رجال المقاومة ضد الاحتلال الياباني الذين لا يزيد عددهم على 500 مقاتل إلى إعلان العصيان ضد الحكومة المركزية، وانضم اليهم باقي سكان الجزيرة لأنهم يرفضون تغيير احتلال بآخر، وتمكنوا بالفعل من حكم الجزيرة بعد هروب البوليس خوفا من الانتقام من قتلى المظاهرة الأولى. بعدها قام زعماء الجزيرة بمحاولة الحوار مع الحكومة تحت شعار «الحرية والديمقراطية» الذي كانت تتغنى به الولايات المتحدة عند إحكام سيطرتها الاستعمارية على الشطر الجنوبي لشبه الجزيرة الكورية، ولكن الرد جاء من الإدارة العسكرية الأميركية للجزيرة حاسما: «اقتلوهم جميعا». بعد هذا الأمر الحاسم بدأت قوات البوليس المحلي العائدة والمدعومة بكل أسلحة الفتك عملية تصفية جسدية لأكثر من ثلاثين ألفا من السكان معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ الذين لم تسعفهم سيقانهم على الهرب إلى الجبال الوعرة التي تنتشر في وسط الجزيرة. ثم توالت عمليات الاعتقال بلا سبب واضح ضد كل من يقع تحت قبضة البوليس المدرب على أيدي قوات أميركية كانت تشرف على عمليات التعذيب واغتصاب النساء ودفنهن أحياء، واستمرت تلك العمليات طوال عام كامل، تمت فيه تصفية الجزيرة الصغيرة من رجالها، ومن تبقى منهم أحياء لجأوا إلى الكهوف الوعرة تحت تهديد عمليات «حرق الأرض» بالكامل بواسطة الطائرات الأميركية التي كانت تحتل سماء الجزيرة بلا رقيب. بمرور الوقت كانت الحكومات الكورية «الديمقراطية» المتعاقبة ترفض القيام بأي عمليات تحقيق في تلك المذابح، بل وتنفيها على الرغم من أن كل الدلائل الناتجة عن عمليات التحقيق الأولى كانت تدين الشرطة المحلية، وتشير بأصابع الاتهام للقوات الأميركية المتمركزة في شبه الجزيرة الكورية بموجب قرار عسكري يضع جزيرة «شيجو» تحت السيطرة العسكرية المباشرة للقوات الأميركية. حتى محاولات بعض الكتاب المحليين في التأريخ لتلك المأساة قوبلت بالقمع الذي تسمح به قوانين «الديمقراطية» الغربية التي تمارسها الحكومات المحلية العميلة للولايات المتحدة الأميركية، وتجربة الكاتب الكوري «هيون كي يونج» في كتابة روايته «العم سووني» التي تتناول أحداث مسقط رأسه قوبلت بقمع انتهى بالرواية إلى المنع من البيع بعد طبعها، وبالكاتب إلى السجن. لكن عددا من الباحثين الكوريين الشبان استطاعوا عام 1979 الحصول على أدلة تدين الحكومة الكورية وبعض ضباط البحرية الأميركية، لكن لم يتمكن هؤلاء الباحثون من إعلان نتائج أبحاثهم في الجزيرة إلا بعد فوز الرئيس الحالي «كيم داي جونج» عام 1998، ثم جاءت «كرة القدم» ليكتشف الشعب الكوري أن «أصدقاءه» الأميركيين ارتكبوا جرائم ابشع من الجرائم التي ارتكبها اليابانيون خلال احتلالهم، وان شعار الصداقة الأميركي ملطخ بالدماء ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا