قبل اقل من ثلاثة عقود كان الرجل في مجتمعاتنا يستحي من ان يبصبص هنا او هناك في وجوه بنات الناس لانه كان سيعيّر بذلك الفعل، وسيرمى بالصفاقة وقلة الحياء. فكان المجتمع المحيط حارساً امينا يمنع ابا العيون الجريئة من ان يتسلى بالتفرج على الفتيات والسيدات. وكانت كلمات مثل «العيب» او «الحرام» او «الاعراف والتقاليد» تكفي الواحدة منها لتوقف اي شخص تسوّل له نفسه بأن يتجاوز مضامين تلك المفردات فيقع في المحظور. لقد مثلت الكلمات الثلاث قانوناً اجتماعياً واخلاقياً فرض نفسه بنفسه دون حاجة الى قانون مكتوب. لأن المجتمع ـ في ذلك الوقت ـ كان متعوداً على احترام منظومة القيم والاداب التي ارتضاها لنفسه عبر القرون والاجيال. ولم يشأ ان يتصادم معها بعد ان وجد ان الخير والسعادة في الالتزام بها والخضوع لها. لقد تهيأ للقيم والاخلاق الاجتماعية الاصيلة من السلطة والنفوذ ما جعل المجتمع ينعم بحياة نظيفة حمت افراده من الانحراف الا في دوائر ضيقة تحتمها طبيعة التجمعات الانسانية التي تفرز بشكل طبيعي بعض النماذج غير المؤهلة للنضج او الاستقامة واحترام الاداب العامة!! كانت الاسرة حينها اول المستفيدين من تلك الاجواء الايجابية، حيث نتج عن تلك النظم المحترمة والمصانة في قلوب الناس علو شأن الاسرة التي كان الحفاظ عليها مسألة محسومة وامراً غير قابل للطعن أو الاستئناف. ان الاسر لم تتكون في ذلك الوقت بسبب نزوة عابرة او مشاعر ثائرة، بل كانت هناك نظرة واسعة تعتمد على مقاييس اجتماعية، ومعايير واضحة ارتضاها الناس بينهم، وتعارفوا عليها كشروط عامة يحرص عليها كل راغب في تكوين اسرة جديدة. من ذلك التكافؤ في النسب والعائلة، والتقارب في المنزلة الاجتماعية، مع الحرص الشديد على ان تكون الفتاة ذات خلق ودين. ولقد هيأت تلك الشروط والمطالب بأن تحظى الاسرة بنظرة ملؤها الاحترام والتقدير في ظل سيادة الاخلاق، وسلطة المجتمع الذي كان يؤمن بأن العبث بمثل هذه الرابطة دليل على نقص الرجولة وذهاب الكرامة، واعلان العجز عن تحمل المسئولية، وهي صفات كانت تخيف الرجل، ونعوت كانت تكفي ليبذل المزيد من الاهتمام بتلك العائلة التي اسند امرها اليه، واصبح يتولى فيها دور القائد المؤتمن على من بين يديه من الافراد!! ولأن المغريات التي يمكن ان تصرف الرجل عن عائلته كانت محدودة وضئيلة فإن تكريس الاهتمام بالعائلة لم يكن عملا عسيراً ولا صعب المنال. غير ان هذه الصورة الوادعة للاسرة لم يكتب لها الاستمرار الى زمننا هذا، حيث أتى من يريد ان يحطمها والى الابد. لقد ركزت التحديات الحديثة اهدافها في ان تقتلع شجرة العائلة بشكلها التقليدي وصورتها الطبيعية لتزرع بدلا منها شجرة جديدة قوامها الشقراوات الحسان من ذوات العيون الزرقاء، والشعر الثائر المستعار لتكون نمطا جديداً للحياة الاسرية العصرية!! وحيث ان كثيرا من النساء بذلن انفسهن رخيصات في سوق الفرجة والتسلية، فان شدة الريح التي قذفت بهن الى ارضنا كانت قوية، فلم تحتملها ابواب البيوت الامنة، وتكسرت جدران كثير منها!! اذ استسلم سريعاً ودون كثير من المقاومة طائفة من الرجال المتزوجين، وتجاوبوا مع تلك الصيحات الرخيصة دون ان يستحضروا عقولهم او يسترشدوا برأي صديق رشيد ان كان ثمة صديق مخلص بينهم. لقد كان الثمن المطلوب لإتمام الصفقة العصرية هو نفي الاسرة الاولى بالطلاق او الهجر والنسيان. ورغم انه لا مجال لان يقارن عاقل بين الطاريء والاصيل، وبين المتطفل ومن له جذور عميقة وراسخة في هذه التربة الا ان البعض مرّر الصفقة دون ان ينتبه ان ما امامه لا يتعدى ان يكون الوانا مبهرجة، واصباغاً زائلة سرعان ما ستذوب تحت شمس صحرائنا الملتهبة.