في قديم الزمان.. في ظل الامبراطورية العثمانية وما تلاها في مصر وبلاد الشام من مماليك واتراك وشراكسة الى آخر هذه السلسلة.. . عرف العالم العربي خليطا من الالقاب فكان يطلق على الوالي او حاكم اقليم ما لقب «الباب العالي» ثم تتابعت الالقاب مثل البيك والباشا. وكان الناس ينادون من كان في مكانة المدير العام مثلا بلقب «عطو فتلو» التي تحولت فيما بعد الى «عطوفة» في بعض البلاد العربية، وكان الوزير يخاطبه الناس بلقب صاحب المعالي، اما رئيس الوزراء فهو صاحب المقام الرفيع ومن ثم قد ينعم الملك على زوجته في مصر مثلا بنيشان الكمال فيخاطبها الناس بلقب «صاحبة العصمة» وهي غير العصمة التي تكون في يد الزوجة لكي تطلق زوجها حين تشاء. وكان اثرياء مصر الذين يريدون التباهي بالالقاب يشترونها من الملك مقابل مبالغ معلومة من المال تتفاوت وفقا لنوع اللقب، فكانت هناك تسعيرة للقب بك واخرى للقب باشا، ثم يضع الثري قبل اسمه عبارة «صاحب العزة فلان بك» حتى ولو لم يكن هذا البك يتحلى بأي درجة من العزة حيث كان يقف ذليلا في حضرة الملك او احد من افراد عائلته وينحني حتى «يلطع» قبلة على اليد الكريمة مما دعا بعض الخبثاء الى تصور ان صاحب الجلالة كان يتعمد احياناً ان يسقط يده الى اسفل اكثر من المعتاد حتى تتكسر ظهور المقبلين من الانحناء الشديد بحثاً عن اصابع اليد الكريمة. كذلك كان يطلق على حامل لقب باشا عبارة «صاحب السعادة» حتى ولو كان غارقاً الى ذقنه في التعاسة ولم يعرف طعم السعادة ابداً. وتمادى ذلك العصر في منح الالقاب دون حساب لبعض الناس فكان حامل رتبة اللواء في القوات المسلحة او الشرطة يتمتع بمناداة الناس له بلقب «ياباشا»، وكان حامل لقب بك هو كل من حصل على رتبة قائمقام «اي عقيد في الوقت الحاضر» وكل من حصل على رتبة اميرالاي «عميد في وقتنا هذا»، ومسميات الرتب العسكرية القديمة تلك تركية الاصل ولست ادري من هو الشخص الذي كان القائمقام «يقوم» مقامه!! اما رتبة اميرالاي فأغلب ظني أنها تعني ان حاملها هو امير آلاي اي امير الكتيبة او آمر الكتيبة. وبالمناسبة كان من اشهر السيدات اللائي حصلن على نيشان الكمال السيدة ام كلثوم، ولكنها لم تشتره بالمال بل اشترته بمجاملة بسيطة ارتجلها ذكاؤها اللماح عندما كانت تشدو بأغنية «حبيبي يسعد اوقاته» في حفل للنادي الاهلي، وحضر الملك فجأة هذا الحفل وعند نهاية الاغنية التي تقول «الليلة عيد ع الدنيا سعيد، عز وتمجيد، لك يا حبيبي » غيّرت ام كلثوم آخر كلمتين فقالت «لك يا مليكي».. ومن يومها اصبحت ام كلثوم ـ كوكب الشرق والفنانة العظيمة ـ صاحبة عصمة!! ولعل القاريء العزيز يتذكر شخصية «سليم البدري» التي مثلها الفنان يحيى الفخراني في مسلسل «ليالي الحلمية» وكان سليم يقول لزوجته في احدى الحلقات انه لعب البوكر مع الملك «وأعتقد انه الملك فؤاد» وتعمد ان يخسر في اللعب لصالحه مبلغا كبيراً من المال لكي ينال لقب الباشوية مقابل ذلك اذ قال له الملك في نهاية السهرة: «مع السلامة يا سليم باشا»، وبهذا النطق السامي اصبح يحمل اللقب. والطريف ان سليم البدري يسأل زوجته قائلاً: «تحبي اجيب لك صاحبة العصمة»؟! فقالت له: «ياريت» فأجابها: «وإيه يعني كلها برتيتة بوكر» «اي جولة بوكر» اخرى و«اجيب لك اللقب»!! كان شباب مصر آنذاك يشعرون بالحيرة في هذه الالقاب.. فمن هو الذي يخاطبونه بصاحب المعالي او العزة او السعادة الى آخره. وكان من بين هؤلاء الشباب زميل اعلامي اقدم من جيلي. وكانت العادة ايام الملك فاروق ان تحتفل الجامعة بيوم المتفوقين من خريجيها، وكان الملك فاروق يحضر الحفل لتوزيع الشهادات، ونودي على زميلنا المتخرج المتفوق آنذاك وكان بعيدا نسبياً ولكنه سمع اسم طالب يليه وهو في طريقه الى المنصة التي يقف امامها الملك. وعندما وصل خشى ان يحدث خلط بين اسمه واسم الخريج الذي يليه فأحب ان يلفت نظر الملك فقال له وهو يمد يده ليصافح جلالته: انا فلان يا... واختنق صوته وتلعثم لسانه ونسي بماذا يخاطب صاحب الجلالة.. واخيراً فتح الله عليه فقال للملك: انا فلان يا.. سعادة البك!!