الحب يأتي مرة ويذهب بالمرة، ام يأتي مرات ولكنها مُرة، لم لا نحب مرة ومرات؟ وتجارب الحياة العاطفية للانسان مكلفة ومتلفة للنفس قبل الجسد، فقد يكون الجسد جبلا واقفا في معركة الصمود، والنفس فيه تذوب كالجليد في الصيف. الحب وصفة قد تداوي شخصاً وتودي بروح آخر ذاق من الكأس نفسها بغير مفعول الاول فهذا معذب وذاك يذوق مستمتعا عذب العذاب. يطال المحب الصب مراده، الا انه يتمنع اشد من تمنع المحبوبة حفاظا على عفة الرمق الاخير في ايام العمر، فلا يتجاوز حدوده وان دعي لذلك واستدعي بعين المحبوبة الجاذبة لكل خصال الشوق في الود بالتقرب والرؤية بعيدة، والخيار صعب والقرار اصعب. التمسك بالتجارب الانسانية الحية، في هذا الظل البارد من نسائم الحب البشري الاصيل تعطي المبتديء في هذا الطريق دفعة يحتار بها من تدبير اموره اذا ما وقع في مطب الحب من جديد. قال سامري في وقت السحر حيث النوم يغلب معظم البشر الا المحبين ممن يبحثون عن رائحة الحبيبة المرتقبة عبر الاثير المتصاعد في جو السماء والارض، عيونهم ترمق الى البعيد، فيقع الخيال منهم موقع واقع الحال، فتمتد الايادي بلا ارادة فلا تمس الا طيف المحبوب العابر في تلك المنطقة المسموحة للروح، الممنوعة للجسد. فجولة الروح في دنيا الحب أرحب، لانها بلا حدود ولا خطوط حاجزة عن الوصول الى خط النهاية بالفوز وان رفض المحيطون بالحدث كل نتائج الفوز بالغنيمة. نجلس مع اناس لم تكتمل صورة الحب في قلوبهم، فكم من هؤلاء طرق باب المحبوبة طالبا القرب فطرد من النافذة عقوبة صارمة على جرمه بالحب العفيف، وآخرون خطفوا بنات الناس من النوافذ فضلت العقوبة طريقها اليهم فهل في مثل هذا المشهد المقلوب عدل يطاق او ظلم يرافق تناقضات دنيا البشر عندما يركبون رؤوسهم بدل ان تركب الرؤوس اجسادهم. فأوقات الصفاء المعطر بالنقاء قلما تدوم على حالها من السعادة والطمأنينة في السكن الى قريب من دار الحبيب، بدل البحث في قمامة الطريق القصير لاصحاب الشهوات العابرة، والنزوات الآنية التي تفسد دنيا الحب الطاهر وتخلط الطيب بالخبيث. نكتم في انفسنا أسعد اللحظات التي نود اظهارها للملأ دون ان نتعرض للملام بالقدح والذم لمن وفى شروط الحب في زمن يبحث الحب ذاته عن حصانة اكبر من الحصانة الدبلوماسية في دنيا السياسة. ترى مخطيء من هفا قلبه الى عين جاذبة، تربك على الساحر خداع البصر وتتركه حائرا وكأنه سحر نفسه دون الجمهور المتلهف إلى رؤية يديه الخفيفتين وهما تلعبان بخيالات المشاهدين، فهل المحب يطبق عليه حكم المسحور او المعجب بمن سحره؟. ايها القلب الكبير، كلما رجعت الى الوراء لتأخذ العبرة من قصص المحبين الذين لم ينالوا من حظهم الا التعب وهم في قمة الرضا وتركوا منية النفس لناقة عابرة على بيت الحبيبة فتقطف الزهرة الوحيدة في بستان الدار وقد كان ذاك المحبوب البعيد يسقي تلك الوردة بدموعه ولو كان يعلم ان سقي دمه يقيها عملية «القطف» الاجباري لما تهاون عن ذلك، ولكن في الواقع يحصل ان يزرع المحبوب حبيبته في قلبه فيسقيها من شرايينه ثم يأتي آخر ليخطف ثمرة جاهزة دون اعتراض من قاضي المحبة وهو يوقع صك الزواج بلا تردد.