المفاوضات الجارية منذ امس وتستكمل اليوم في العاصمة النمساوية فيينا بين العراق والامم المتحدة ممثلة في ناجي صبري وزير الخارجية العراقي والوفد المرافق له، وبين كوفي عنان الامين العام للمنظمة الدولية للامم المتحدة ـ لا يمكن وصفها سوى بالمفاوضات الحاسمة فعلا او لعلها مباحثات اللحظة الاخيرة، وتبدو في مظهرها الخارجي بين العراق ومتطلبات المجتمع الدولي بما فيها متطلباته هو وشروطه كدولة تسير في فلك المنظمة الدولية، ولكن حقيقة المباحثات هي بين العراق والمنفذ لسياسات الولايات المتحدة الاميركية، وهي المنظمة الدولية التي فقدت العديد من صلاحياتها ان لم تكن كلها لصالح التوجهات والمصالح الاميركية، وبرغم ان عنان حاول على استحياء التأكيد على انه لم يأت الى فيينا لمناقشة السياسات الاميركية ولكنه يهتدي لقرارات مجلس الامن، في حين ان العراق يسعى فعلا لأرضية مشتركة خاصة وان الابعاد السياسية والاقتصادية للحصار تجاوزت حدود المعقول. مجلس الأمن متطلباته هي جوهر المتطلبات الاميركية بضرورة عودة فريق المفتشين الدوليين والبحث في غرف نوم الرئيس العراقي صدام حسين عن اسلحة الدمار الشامل، وليس في هذا سخرية من القرارات الدولية ولكنها بالفعل تبحث عن المستحيل الذي يعطي مبررات وهمية تسخرها السياسة الاميركية لضرب العراق، في حين تطالب بغداد بتحديد فترة التفتيش والاماكن ولا تبقى الاراضي العراقية ملعبا مفتوحا ورهنا للسياسات الرعناء. كما ان العراق له متطلباته بدءا من رفع الحصار الخانق المفروض على الشعب منذ نحو 12 عاما، ووقف الاعتداءات المستمرة من جانب المقاتلات الاميركية والبريطانية بأجواء مناطق حظر الطيران، مؤكدا على لسان وزير الخارجية ان الامن الوطني العراقي والامن الاقليمي لا يسمحان لبغداد ان تجرد من البندقية في حين ان دولا اخرى وفي مقدمتها دولة الاحتلال الاسرائيلية تملك ترسانة ضخمة من اسلحة الدمار الشامل، ولا نرى الولايات المتحدة ولا الامم المتحدة الاميركية تحرك ساكنا في مفارقة محزنة وسخرية قاتلة لراية العولمة الجديدة التي تنبيء بحالة استعمار جديدة تسود السياسات العالمية خاصة الاميركية وتسخيرها لخدمة المصالح الجوهرية ضاربة عرض الحائط بمصالح الدول الصغيرة. ورغم ان كثيرا من المراقبين يعتبرون ان مباحثات فيينا قد تكون تهدئة جزئية ومؤقتة للصدام بين الولايات المتحدة والرئيس العراقي الذي ترغب واشنطن في الاطاحة به على وجه السرعة او حسب أجندة المميزات التي يتيحها بقاؤه للمصالح الاميركية، فان آخرين يرون بالفعل ان ضرب العراق مسألة وقت لانه يمثل للولايات المتحدة واسرائيل «ماردا» عسكريا لا يهدأ، ولهذا فان مباحثات فيينا تتطلب ان تخرج الامم المتحدة من تحت العباءة الاميركية لصالح المستجدات العراقية الايجابية ودرءا لمزيد من سقوط الالاف من اطفال العراق كل عام بسبب حرمانهم من الادوية والغذاء وحتى يحتفظ الاحياء منهم ببقايا احترام للمنظمة الدولية!!