منذ أربعين عاما رأى معالي الوزير صديقه فؤاد وقد أصابه خلل أوصله إلى الجنون وكان فؤاد مثله الأعلى وأحب الناس إليه، ولهذا اهتز لما حدث له. لكنه أيضا فكر في الأمر طويلا، وقرر أن يحمي عقله من الجنون، ولم يكن ذلك سهلا، فلقد كان الزمن فظيعا ونجا معالي الوزير من ضغوط أكبر مما تعرض له فؤاد ... بل استطاع أن يصل إلى قدر من التوازن أثار إعجابه هو بنفسه، وهكذا مرت حياته دون أزمات عنيفة، وما تعرض له من ظروف قاسية مثل موت راعية الوزير الأسبق تغلب عليها بتوازنه الذي صنعه بقدرة مذهلة. ولذلك ذهل معالي الوزير لما أصابه عندما قابل هند هانم لأول مرة لقد اهتز قلبه الذي لم يعرف الخفقان منذ عقود وكان فخورا بحبه لزوجته وأسرته، ويرى في هذا ورقة رابحة أبقته على الكرسي فترة طويلة يحسده عليها زملاؤه. كانت هند إحدى ضيوف صديق قديم له. وكان ينوي أن يحضر في حفلة صديقه نصف ساعة، فلابد أن يجهز أوراقا استعدادا لمجلس الوزراء الذي يعقد في الغد ولكنه سهر حتى انصرف آخر المدعوين وأعطته هند أرقام تليفوناتها وأعطاها أرقام تليفوناته. ورغم ما حدث له وتلك النشوة الهائلة التي سرقت الندم من عينه إلا أنه لم يأخذ الأمر مأخذ الجد فهو ليس من الرجال الذين يعيشون حياة سرية، حياته كلها تحت الأضواء والناس يعرفونه فمنذ خمسة وثلاثين عاما لم يغير الشقة التي يسكنها وهو ينزل أمام الجيران ويتحدث معهم، ويتحدث مع بائع الفاكهة الذي اغتصب رصيف الشارع، ومع البوابين ويحل لهم بعض مشاكلهم، فلقد اكتشف مع الزمن أنه يملك نفوذا كبيرا وربما كان أول من نبهه لذلك أحد زملائه القدامى عندما قال عبر كلامه: نحن الحكام! لقد أدرك آنئذ بدهشة أنه يحكم وأنه يشارك في السلطة. أصابه ذلك بالذعر لفترة، لكنه خشي على عقله فعاد إلى إصراره الا يخسر عقله مهما حدث لكنه كان أذكى من الجميع، ادعى أنه لا يملك السلطة، واستخدمها بتواضع وذات يوم نقل أحدهم عن زميل له أنه قال ساخرا: صاحبنا هذا سيبقى في الوزارة مئة عام. واستعاذ معالي الوزير من الحسد وهمس لنفسه: خمسون عاما كافية! ورغم أن معالي الوزير من أخلص الوزراء لعمله، يسهر معه ويبقى في مكتبه حتى يسقط معاونوه، ويتساءلون عن السر في قوته الخارقة، إلا أن هند بدأت تشغل باله. وكانت الورقة التي كتبت فيها أرقامها أمامه رفض أن يتصل بها في التليفون العادي. اتصل بالموبايل. ولكنه كان مغلقا وتخيل أن هذا نهاية المطاف، فليس من عادته أن يلح في الاتصالات لكنه لن يتصل بها! هكذا قال لنفسه وعاود الاتصال عدة مرات، وعندما سمع صوتها أخيرا كاد يلومها غاضبا، لكنه كان رقيقا وكانت هند أرق، وبدا أنها كانت تتوقع اتصاله. ورغم أن معرفتهما كانت حديثه إلا أنهما وجدا موضوعات كثيرة يتحدثان فيها قالت له: لقد تغيرت حياتي تماما منذ أول مرة قلت لي فيها آلو! وهو أيضا تغيرت حياته منذ هذه اللحظة لكنه كان حريصا على التوازن، وهمس لنفسه سعيدا أنه ناجح في ذلك مئة في المئة! وقابلها عدة مرات في الندوات والسهرات، وكان يخصها بنظرات مسروقة. وكانت حريصة على أن تأتي في كامل أناقتها. كان يعرف أن هذا الفستان اشترته خصيصا لكي تجلس به على هذه المائدة تنظر له على بعد عشرة أمتار وهو يتحدث عن نشاط وزارته وكان حريصا على أن ينصرف في اتجاه مائدتها وأحيانا يرفع حاجبه بدهشة: هند هانم! ويصافحها وتبقى يدها راقصة في كفه ثلاث ثوان أكثر من المفروض. أصبحت هند هي الزمان فهو يستيقظ يتحدث لها عن برنامجه في هذا اليوم وقبل أن ينام يتحدث لها عما فعله ولما مضى الوقت عرفت كل شئ عنه. سألته بفضول أمتعه ولم يحاول أن يسألها عن حياته لكنه عرف عنها الكثير. وذات يوم اتصل به صديقه يؤكد عليه أن يحرص على حضور عيد ميلاده. كان حديث صديقه صدمة كهربائية قوية ففي هذه الليلة التقى بهند لأول مرة لقد مر عام كامل! لابد من شئ يميز هذه المناسبة السعيدة. وفكر في ألف شئ لكنها كلها كانت تبدأ أو تنتهي بلقاء مع هند. لكنه لا يريد أن يلقاها في بيت صديقه تحت عيون كل المدعوين. وأصبح الشغل الشاغل لمعالي الوزير كيف يقابل هند. بالطبع كان مازال محتفظا بقواعده فهو لا يريد الدخول في مغامرة، وهو حريص جدا على الا يعرض سمعته لأي خدش. كان مرعوبا أن يفقد منصبه أو أسرته أو سمعته ولذلك أخذ يتفنن في كيفية لقاء هند. واكتشف لأول مرة الحبس الذي يعيش فيه. لكي يقابلها لابد أن يذهب لها بالسيارة وهو لم يقد سيارة منذ خمسة عشر عاما السائق يذهب به إلى حيث يريد والثقة بينهما كبيرة لكنه من المستحيل أن يسمح له بأن يشك فيه. من الممكن أن ينزل بلا سيارة ويركب تاكسي، ولكن هل يتركه رجال الأمن يفعل هذا ؟! وحتى لو استطاع أن يحل هذه العقدة ومن الواضع أنها لن تحل أين يذهب معها؟ لو ذهب معها إلى أحد الأماكن الجميلة سيئة الإضاءة ليلا فغالبا سيجد أحدا يعرف صورته في الصحف والتلفزيون كل يوم. وربما كان هناك صحفيون والأسوأ أن يكون هناك أحد من زملائه وفعلا كان مع بعض أصدقائه في أحد الفنادق الكبرى وقابل بعد منتصف الليل أحد الوزراء المهمين. لا أحد إلا الذهاب إلى مكان خاص. ولم يجد أمامه سوى شقته القديمة التي كان يسكنها عندما كان طالبا واحتفظ بها كل هذه السنين للطوارئ وكان يدعو لها بعض أهل البلدة عندما يزورنه. قال للسائق: إلى باب الخلق! ودهش السائق وأن لم تبد عليه الدهشة ومنذ أن وصل اكتشف معالي الوزير حماقة اختيار هذا المكان فلقد تجمع حوله الناس كالنمل البعض يحتضنونه ويقبلونه ويذكرونه بالأيام الخوالي، وكلهم يطلبون منه أن يتوسط لهم في كذا وكذا وخرج من المكان يلهث وسيارته مليئة بعشرة كيلوات من الأوراق. وأقسم أن يتخلى عن هذه الشقة وأن يقطع صلته بها نهائيا، حتى لو أضطر أن يدعو أهل البلد إلى كبرى الفنادق. وأضطر في النهاية أن يتحدث إلى هند بحلمه في لقائها بدأ حديثه معها كما يبدأه عادة مع وزير المالية، فهو يطمئنه أنه لا مطالب له وأنه مكتف بميزانية العام المنصرم ثم يبدأ يعرض مطالبه القديمة بذكاء كبير.. لكنه ما أن أسفر عن الفكرة حتى رحبت بها ترحيبا كبيرا وصارحته بأنها تمنتها منذ زمن طويل. ومنذ ذلك الحين تولت هي ترتيب الأمور. في الليلة الموعودة خرج معالي الوزير في موكبه العادي إلى أحد الفنادق وصرف السائق حتى يطلبه، وصرف الأمن حتى ينتهي من لقاء أصدقاء. وما أن انصرفوا عنه حتى نظر إلى ساعته وسار بهدوء إلى الباب الآخر للفندق حيث كانت هند بسيارتها دخل السيارة بسرعة كان منتشيا حقا كان الأمر يشوبه إحساس بالذنب. لكنه كان فخورا بأن يقيم المغامرة الكاملة على وزن الجريمة الكاملة. وأدخلته هند من باب الحديقة لم يكن هناك أحد ومع ذلك كان يخفي وجهه وأضطر عندما جلست إلى جواره أن ينبهها إلى الحرص على الوقت ولم يقل لها أنه لا يرضى أن ينتهي الأمر بفضيحة وأشاحت هند بيدها. وسقطت بيد معالي الوزير. واهتز.. اهتز عدة مرات وخرجت الأصوات من أنفة كالثورة، ثم سقط. ولطمت هند خديها فلقد أدركت أنه مات.