حين وقف الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض اري فلايشر يوم الجمعة 28 يونيو الماضي أمام الاعلاميين، لم يكن كلامه يدور حول مصائب الشرق الأوسط كعادته، بل جاء هذه المرة حول مصائب أميركا الراهنة، والتي ظهرت على سطح الاحداث مع انهيار شركتين عملاقتين في ظرف ثمان وأربعين ساعة، وهما شركة وورلد كوم وشركة زيروكس، الأولى سيدة الأسواق في الهواتف بعيدة المدى، والثانية أكبر مصنع لأجهزة المكاتب وبخاصة الناسخات، والشركتان ترفعان الاقتصاد الأميركي في العالم منذ عشرين عاماً. حين وقف آري فلايشر إذن يوم الجمعة كان مقطب الملامح لينقل للإعلام غضب وانشغال الرئيس دبليو بوش المتواجد في قمة كالجاري بكندا، والذي دعا بدوره الإعلاميين في القمة الخاصة بالثماني الأقوى والأغنى في العالم ليقول لهم انه مستاء جداً لانهيار الشركات العملاقة الواحدة تلو الأخرى، بسبب اكتشاف تدليس حساباتها وتضخيم ارقام أرباحها، وأعلن الرئيس ان المحاكم الفيدرالية الأميركية سوف تحاسب رؤساء هذه المؤسسات الاقتصادية على كل تلاعب بالارقام، وقد بدأت المحاكم بالفعل تلاحق مسئولي شركة انرون وشركة وورلد كوم وستطال ربما آن مولكامي رئيسة شركة زيروكس. وهكذا نلاحظ ان الزلزال الاقتصادي الذي يضرب الولايات المتحدة هذه الأيام ليس هيناً ولا عابراً ولا سطحياً، فهو يقاس بسبعة على سلم الزلازل الاقتصادية، بل والسياسية التي لها على أميركا وعلى العالم أبلغ الأثر. فالقضية ليست في تدليس أرقام أو تلاعب بحسابات، بل هي في جوهرها قضية أخلاقية كما وصفها الرئيس بوش تنعكس على المواطن الأمريكي الذي أودع أمواله ومدخراته في رأس مال هذه الشركة أو تلك ثم فجأة يقال له ان اسهمه قد هبطت أو انهارت. والمواطن الاميركي لم يفقد ثقته فقط في المؤسسات المتخصصة في مراجعة الحسابات ورقابة التصرف مثل مؤسسة اندرسون التي غرقت مع مؤسسة انرون بل فقد ثقته كذلك في لجنة الأمن والمبادلات الحكومية الفيدرالية الرسمية التي يعتبرها الأميركان المراقب والمرجع الأكبر لنزاهة وصدقية الشركات. وقد استمع الأميركان للأستاذ الأميركي الشهير في الاقتصاد ريتشارد لينوز يقول لهم على شاشة التلفزيون: «ان انهيار الشركات الكبرى يخلق في أميركا مناخاً نفسياً مخيفاً مثل الذي خلقه وباء جنون البقر، حين لم نكن نعلم بالضبط كم عدد قطعان البقر الذي يجب علينا اعدامها وحرقها، حتى تعود ثقة مستهلكي اللحم في لحوم البقر. وكذلك فنحن لم نعد نعرف كم عدد الشركات الأميركية التي زينت أرباحها وغشت مساهميها وما هي الشركات النزيهة الصادقة؟! ويضيف أستاذ الاقتصاد قائلا: «ان الاقتصاد الأميركي كله قائم على نجاح شركاته، ومنها يستمد قوته وسيادته ورفاهية مواطنيه، فإذا اهتزت هذه الخلايا أو أصابها المرض أو كما في هذه الحالة أعلنت إفلاسها فإن المجتمع الأميركي سوف يبدأ طريق الانحدار. بهذه الكلمات المخيفة استقبل الأميركان انباء زعزعة شركات عملاقة كانت تبدو منتعشة ومستقرة مثل انرون وورلد كوم وزيروكس وهي شركات انهارت بعد انهيار مثيلاتها منذ شهور فقط مثل شركات تيكو وجلوبال جروسنج وكيو وست وداينيجي ادلفيا واي ام كلون مسلسل متلاحق من الانهيارات جعل يوم الأربعاء 26 يونيو 2002 يوما أسود في وول ستريت عصب المال والاقتصاد والسوق في أميركا، حيث انهارت القيم وهبطت الأسهم. والأخطر هو ان سيد العملات (الدولار) قد تحمل تداعيات انعدام ثقة المساهمين فتوازى لأول مرة منذ عامين مع العملة الصاعدة: اليورو في أسواق الصرف، إلى درجة ان البنوك المركزية من اليابان إلى الاتحاد الأوروبي تعاونت على انقاذه من مزيد السقوط، وذهب بعض المتشائمين إلى القول بأن أميركا مقبلة على أزمة كبيرة شبيهة بما وقع لها عام 1949 قبيل الحرب العالمية الثانية حين انفجر الاقتصاد الأميركي وخلف هشيماً من الأوهام، ومن هؤلاء الاستاذ الفرنسي في الاقتصاد جون بيار بوتي الذي قال لصحيفة لوموند (عدد الجمعة 28 يونيو 2002) بأن أميركا لم تنهض من أزمة 1929 إلا عام 1955 حين تعملق الاتحاد السوفييتي وجاءت الحرب الباردة». وبالفعل فإن الأزمة الراهنة هبطت الأسبوع الماضي بمؤشر داوجونز إلى ثلاثة أرباع قيمته وأعلنت الشركات المنهارة عن تسريح عشرات الآلاف من العاملين فيها، بل وانتحر أحد مدراء انرون واستقال مدراء ومحاسبو وورلد كوم، ووصلت العدوى إلى شريحة عريضة من المستثمرين والمساهمين الأوروبيين الذين راهنوا على انتعاش وقوة الاقتصاد الأميركي، تهرباً من النظام الضريبي الأوروبي الثقيل. وفي هذا المناخ المنذر بالأخطار نلاحظ حيرة ادارة بوش في تحديد سياسة خارجية واضحة ومنطقية فالرئيس بوش وافق على منح روسيا مبلغ عشرين مليار دولار في قمة كالجاري حتى لا تضطر موسكو لبيع الأسلحة الفتاكة نووية وبيولوجية إلى دول تعتبرها واشنطن راعية للارهاب، كما ان الرئيس بوش أصبح قابلاً لاعادة النظر في ميزانية الدفاع لعام 2002 ـ 2003 والتي تبلغ 383 مليار دولار كما أشارت صحيفة وول ستريت جورنال في عددها الأخير. أما الحاصل فعلاً فهو انعدام ثقة المواطن الأميركي بعد تضرر حوالي أربعين مليون مساهم صغير في هذه الانهيارات: انعدام ثقة قد يتحول مع الزمن إلى حالة من الرعب ازاء اقتصاد اميركي صار فجأة هشاً وقابلاً للانحدار والتراجع، إلى جانب قوى أخرى صاعدة مثل الاتحاد الأوروبي أو الصين. ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر