انقسمت ردود الفعل الإسرائيلية تجاه خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش، بين يمين قومي متطرف مبتهج ومتحمس، لهذا الخطاب، و«يسار» قلق ومتشكك بل ومتخوّف، أحيانا، من عواقب هذا الخطاب على إسرائيل في المدى البعيد. فقد رأى اليمين القومي الإسرائيلي، بكافة تياراته، في خطاب بوش تبنياً كاملاً من قبل الإدارة الأميركية للسياسة التي ينتهجها ارييل شارون، منذ تبوئه للسلطة في إسرائيل، المتضمنة ادعاءاته بعدم وجود شريك للتسوية ورفضه التعامل مع الرئيس ياسر عرفات، باعتباره «إرهابيا» أو يرعى «الإرهاب»، ولجهة وضعه اشتراطات على قيام الدولة الفلسطينية تتناسب والاملاءات الإسرائيلية وتغطي تهربه من عملية التسوية، وأخيرا لجهة قلبه الحقائق، رأسا على عقب، من خلال اعتبار أن قضية الصراع ليست قضية احتلال وسيطرة على شعب أخر، بوسائل القوة من قبل إسرائيل، وإنما هي مجرد قضية إرهاب حينا وإصلاحات حينا آخر! ما يضع الشعب الفلسطيني، الضحية، في موقع المعتدي، وإسرائيل، المعتدية والمحتلة، في مكانة الضحية! على ذلك لم يكن مستغربا أن تعم الأوساط اليمينية المتطرفة مظاهر الابتهاج والترحيب بخطاب الرئيس بوش، الذي رأى فيه الوزير الليكودي داني نافيه تبشيرا بنهاية عهد عرفات وانتصارا للموقف الإسرائيلي. في حين اعتبره بنيامين نتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، الأسبق، بمثابة هدية كبيرة لإسرائيل. وبدا الخطاب لروبي ريفلين، وزير الاتصالات الليكودي، وكأنه كتب على يد احد قادة الليكود. وقال الوزير إسحق ليفي (المفدال) ان الخطاب بمثابة إقرار بعدالة محاربة إسرائيل للإرهاب الفلسطيني. رؤية ليكودية أما المحلل الإسرائيلي غاي ياخور، فقد ذهب أبعد من هؤلاء برؤيته للابعاد الاستراتيجية للخطاب، إذ كسر هذا الخطاب الجمود السائد في الشرق الأوسط منذ عدة عقود..في محاولة أميركية لحسم الأمور، وبحسب ياخور فإنه:«في الـ 50 سنة الأخيرة لم تدفع الأنظمة العربية ثمنا حقيقيا على أعمالها، خاصة بسبب الدعم التلقائي للاتحاد السوفييتي والابتزاز الذي مارسته إزاء أوروبا..فالأنظمة والمجتمعات في الدول العربية لا تزال معادية لإسرائيل وتحرض ضد الغرب.. (لذلك وبحسب رأيه) من الآن فصاعدا سيتم فحص الأنظمة العربية كل يوم من جديد، هل يفضلون الانضمام إلى محور الشر أو الانفتاح على العالم..(ويتابع) الديمقراطية الفلسطينية المأمولة (والممكنة إذا طرد عرفات) ستستخدم كنموذج لباقي الأنظمة والمجتمعات في العالم العربي..خطاب بوش لا يخلق آلية واضحة للتسوية..إنها أجندة شاملة لأمننا وازدهار الشرق الأوسط كله، وضمانة لإسرائيل وازدهارها.. الدولة التي لا تستطيع التحرك باتجاه إسرائيل والغرب أو وقف الدعم للإرهاب ستلقى جزاءها» (يديعوت أحرونوت 27/6) أما اليسار الإسرائيلي فقد بدا أكثر حذرا وآملا في تعامله مع خطاب بوش الذي رأى فيه مجرد «إعلان نوايا» معربا عن مخاوفه من نتائج هذا الخطاب. وفي هذا الإطار خاطب يوسي ساريد، رئيس كتلة ميرتس، الرئيس بوش بقوله: سيدي الرئيس، خطابك سبب لنا خيبة الأمل..المشكلة انه يوجد في الخطاب الكثير من الرؤية الأميركية والقليل من الواقع الشرق أوسطي..في الخطاب اتجاه ولكن لا يوجد به خارطة. لا توجد طريق للتقدم، لا يوجد جدول زمني، لا توجد آلية تنفيذ، لذلك نحن نخشى ان يغرق خطابك في الواقع الدامي.. ستضطر، كما يبدو، أن تلقي قريبا خطابا آخر..(وسأل ساريد) وماذا يحدث لو عاد عرفات وانتخب؟ وماذا يحصل لو أن شخصا آخر أسوأ منه انتخب مكانه؟..عليك أن تفهم انه لا يوجد لنا وقت. الوقت يعمل هنا في غير مصلحة الجميع«(يديعوت أحرونوت 27/6) وبدوره أكد يوسي بيلين، من قادة حزب العمل، على كلام ساريد قائلا: «ليس بوسع إسرائيل الانتظار إلى حين تحقيق جميع الشروط التي وضعها بوش. إننا بحاجة لوضع حد لدائرة الدماء فورا ومن دون انتظار تحقيق الشروط المسبقة». أما شمعون بيريز، عراب اتفاق أوسلو، فقد اعتبر الخطاب خطأ فادحاً وضربة قاتلة لأي أمل باستئناف المفاوضات..ورأى بأن المنطقة ستتدهور نحو هاوية.. فاشتراط إقامة الدولة الفلسطينية بتغيير القيادة الفلسطينية هو خطأ مميت.. عرفات يقود الشعب الفلسطيني منذ 35 عاما ولا يمكن طرده هكذا من خلال التلويح بخطاب واحد ..حجم التوقعات من هذا الخطاب كحجم الهوة التي ستسقط فيها المنطقة. وانتقد ابراهام بورغ رئيس الكنيست الخطاب وأجواء الحبور الليكودية قائلا: «لقد ابتهجوا في الليكود بانضمام عضو جديد إلى لجنتهم المركزية.. ولكن عندي سؤال بسيط: وماذا بعد ذلك؟ هل سيصل بوش لحضور الجنازة القادمة؟». نعي التسوية وقد وجد بعض المحللين أن خطاب بوش كان بمثابة نعي لعملية التسوية، ولاتفاقات أوسلو، وبحسب المحلل الإسرائيلي، ناحوم بارنيع: « إذا كان العامان الأخيران قد قتلا اتفاقيات أوسلو، فقد جاء خطاب بوش ليدفنه في طيات التاريخ..لقد وعد شارون بتحقيق الأمن والسلام، لكنه لم يحقق ذلك.. لكنه حقق وعداً لم يتعهد به: لقد ضم جورج بوش الابن إلى صفوف الليكود كعضو مؤقت». وبدوره فقد سخر المحلل الإسرائيلي عوفر شيلح من خطاب بوش قائلا: «الرؤية التي يعرضها بوش على الفلسطينيين بسيطة جدا: كونوا مثلنا، وعندها سنساعدكم كي تتحسن أوضاعكم، وإذا لم تفعلوا ذلك فسننتظر حتى تتغيروا..بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، باتت إدارة بوش تقسم العالم إلى أخيار وأشرار.. إلى أولئك الذين يشبهون أميركا وأولئك الذين لا يشبهونها. لا يقوم أي شعب في العالم باستبدال رئيسه بناء على أوامر من واشنطن.(يديعوت أحرونوت 25/6). ولكن آري شبيط رأى المسألة من زاوية أخرى، إذ أنه «وبفضل بوش أصبحت فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية مكملة للدولة اليهودية الديمقراطية..وهاتان الرؤيتان مكملتان لبعضهما البعض وتعتمدان على بعضهما البعض بصورة تامة، لذلك إذا لم تظهر فلسطين حتى نهاية العقد فان إسرائيل لن تكون يهودية وديمقراطية. ولكن إذا لم تكن فلسطين المستقبلية ديمقراطية فان إسرائيل لن تكون موجودة سواء آجلا أو عاجلا، فالتشدد والتعصب العنيف الذي سيندلع من داخلها سيتسبب في زوال إسرائيل..لذا فأعضاء الليكود مخطئون عندما يبتهجون قبل الأوان..إذا كانت الحرب التي تخوضها إسرائيل هي حرب على وجودها، كمجتمع حر في ارض الميعاد، فان الاحتلال لا يمكن أن يكون جزءا من هذه الحرب ولا المستوطنات أيضا..لأن الاختيار القاسي الذي سيواجهه المجتمع الفلسطيني.. سيكون مطروحا على اليمين الإسرائيلي أيضا». هآرتس 27/6 وفي تحليل شكك بدوافع بوش، ورأى فيه وظيفة أخرى، قال المحلل جدعون سامت: «بوش كمن يقول للإسرائيليين ستظلون على حد السيوف ولمدة طويلة.. هذه هي الصورة التي يرى فيها المصلحة الأميركية..المصلحة العليا للرئيس الأميركي الآن هي اجتياز الانتخابات الانتقالية في شهر اكتوبر/تشرين الأول بسلام والنجاح في الانتخابات الرئاسية مرة أخرى بعد عامين..بوش تصرف بدم بارد وبدرجة مؤسفة من اللامسؤولية تجاه الاحتياجات الحقيقية التي تتطلبها إدارة دفة الصراع». (هآرتس 26/6) هكذا عكست ردود الأفعال الإسرائيلية على خطاب بوش، آراء مختلف أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي، مؤكدة عمق الروابط بين إسرائيل وأميركا ومبينة مدى الانحياز الأميركي للطرف الإسرائيلي، من جهة، ومؤكدة على الاضطراب السياسي وانعدام اليقين الناجمين عن شعور الإسرائيليين بعدم الاستقرار وبصعوبة السيطرة على شعب آخر، من جهة أخرى، لا سيما، وأن هذا الشعب مازال صامدا في أرضه ويقاوم الاحتلال. ـ كاتب فلسطيني