يكاد محللو السياسات الداخلية الأميركية يجمعون على أن ثمة رجلا بعينه يعمل بالسياسة والشأن العام لسنوات ليست بالقليلة في الولايات المتحدة ولكنه يكاد يكون الخاسر الأوحد، أو أكبر الخاسرين من جراء أحداث 11 سبتمبر عام 2001. هذا الرجل اسمه آل جور وقد كان ـ كما تعلم ـ نائبا للرئيس السابق كلينتون على امتداد 8 سنوات كاملة وقبلها كان عضوا في الكونجرس . وخلالها ظل مسئولا عن قضايا في غاية الأهمية مثل قضية البيئة (اصدر عنها كتابا نال مراجعات ودعايات كثيرة) وقضية اصلاح الادارة الحكومية (وأصدر عنها بدورها تقريره الشهير الذي اختار، أو اختاروا له عنوان «اعادة اختراع... الحكومة»). وعند اختتام هذه السنوات الثماني في البيت الأبيض.. كان طبيعيا أن يرشح السيد آل جور نفسه لمنصب المسئول الأول في المقر الرئاسي المذكور.. ورغم أن أقداره شاءت له أن يخسر أمام منافسه من الحزب الجمهوري جورج دبليو بوش حاكم تكساس السابق الذي جاء الى سدة الحكم في البلاد بغير خبرة يعتد بها ـ وخاصة في الشئون القومية ناهيك عن الدولية ـ الخارجية ثم ان الخسارة كانت بفارق أقل من هامشي وأدنى من ضئيل على نحو ما ألمحنا في الجزء الأول من هذا المبحث. والمشكلة أن جور كان يدفع خلال حملة الدعاية في الانتخابات السابقة ثمن شخصيته التي كان الناخبون يرونها وقد اتصفت بالجمود وربما بقدر اعترف به خبراء الاعلام ودهاقنة الاعلان من... ثقل الظل السياسي في أهون الأحوال.. بل كان من سوء حظ جور شخصيا إن كان يدفع ثمن مصاحبته لرئيسه السابق بيل كلينتون.. وقد سدد جور بسوء طالعه فواتير هذه المصاحبة ضعفين وربما أكثر سددها من خلال مقارنة شخصيته الجامدة المفتقرة الى جاذبية الاقتراب وموهبة التواصل، الدافئ كما قد نصفه مع الجماهير وهو ما ميز شخصية سلفه بيل الذي كان وما زال يتمتع بقدر يحسد عليه من جاذبية الكاريزما ثم كان على جور أن يسدد الثمن مرة أخرى تعويضا عما لحق حزبه الديمقراطي ولحق الادارة السابقة التي كان قرب قمتها، ولحقه هو شخصيا من جراء انماط الترخص السلوكي الطائش غير المسئول التي اشتهرت عن بيل كلينتون فأساءت الى وقار المنصب والى جلال المكتب البيضاوي الشهير وأوصلت الأمور الى نصب محاكمة أخلاقية ضد ـ مناقبيه لفخامة... الرئيس ولم ينج منها سوى بأعجوبة الأحابيل القانونية وبتغليب منطق الملاءمة السياسية.. نجا منها كشخص وفرد ولكن لم ينج منها للأسف كشخصية ومدخل من خانات سجل التاريخ الأميركي ولا نجا منها حزبه الديمقراطي الذي تعين عليه أن يدفع غرامات كثيرة رغم ما حققه عهد كلينتون نفسه من منجزات كثيرة وكان أول من سددوا الثمن هو آل جور نفسه. والحق أن جور ظل بعد الفشل في الحملة الرئاسية يصارع أمواج السياسة ويكافح أنواء اتجاهات الرأي العام في غمار مواصلة التنافس مع غريمه الرئيس بوش ـ الابن ويسجل للسيد جور أن نجح الى حد ما في هذا المضمار لدرجة لاحظ معها المحللون في واشنطن أن آل جور ظل يلاحق بوش في استطلاعات الرأي العام بل ويكاد ينافسه ويتساوى معه في محك الشعبية أو يتخلف عن شعبية الرئيس بنقاط ضئيلة ولدرجة ـ يعترف معها الخبراء ـ أنها كانت غير مسبوقة بالنسبة لسياسي ديمقراطي ينافس الرئيس الجمهوري شاغل المنصب الأول في حكم البلاد. وجاء يوم 11 سبتمبر إياه.. ونجمت عنه أحداث وأوضاع ومحصلات يمكن معها ترديد المثل الدارج في بعض أقطارنا العربية ليصدق على ما ناله بوش من حسن الطوالع وهو.. باضت له في القفص.. بمعنى أنه اذا كان بوش قد ولد لعائلة تكساسية وفي فمه ملعقة من ذهب فالأدق أن بوش قد ولد وفي ركابه فدان من الحظ الذي رفعه الى مقام الرئاسة ببضع مئات من أصوات ناخبي فلوريدا، فضلا عن صوت واحد لا غير كان هو الصوت الوحيد اللازم لترجيح اقتراع قضاة المحكمة العليا كي تصدر قرارها الشهير بصحة انتخاب المرشح الرئاسي جورج دبليو بوش. ولقد بدأ أركان الحزب الديمقراطي في استعراض محتويات امكاناتهم أو بالأدق ما تبقى منها بعد 11 سبتمبر.. وجددوا أن استطلاعات الرأي العام قد حملت الرئيس بوش عاليا وبعيدا.. كيف لا وقد رفع الرجل وادارته ومعاونوه شعارا يقول بغير مواربة: - أيها الأميركيون ان وطنكم في خطر. ومن عجب أن الشعار يستدعي الى الذاكرة السياحية المعاصرة شعارا مماثلا رفعه من جانب آخر الديكتاتور الشيوعي السوفييتي جوزيف ستالين خلال ويلات الحرب العالمية الثانية وعندما تعرضت روسيا لغزو جحافل الألمان النازية.. يومها قال ستالين بدوره: - أيها الرفاق.. إن روسيا المقدسة في خطر. وكم تعودت الشعوب ـ على اختلاف هوياتها الثقافية واتجاهاتها العقائدية أن ترص صفوفها وأن تتوحد خلف قياداتها وأن تتناسى أي خلافات مع هذه القيادات من أجل أن تصد العدو الخارجي المتربص بأمن الوطن وسلامة مواطنيه. وشعار الوطن في خطر يثبت باستمرار جدواه كاطار توحيدي للناس وقطب جاذب ثم ورقة رابحة بيد القيادة.. يستوي في ذلك ـ كما ألمحنا ـ ديكتاتور كان يحكم في الكرملين من الشرق ورئيس ما زال يحكم في البيت الأبيض في أقصى الغرب من كرة الأرض. والحاصل أن شعبية قيادات الحزب الديمقراطي أصبحت متخلفة عن شعبية الرئيس بوش وحزبه الجمهوري بنحو 30 نقطة في أحدث استطلاعات الرأي العام.. وفي ضوء هذه النتائج بدأت مراهنات المراقبين تفيد بأن انتخابات الرئاسة لعام 2004 قد لا تشهد آل جور مرشحا عن الحزب الديمقراطي بعد أن وصفه هؤلاء المراقبون بأنه قد خسر أرضية سياسية واسعة المساحة بحكم ما آلت اليه تطورات الأحداث. من جانب آخر يقول بعض المراقبين أن جور لم يتخذ بعد قراره الأخير في هذا الشأن وأنه في حال من المراقبة عن كثب لمسرح الأحداث.. بل أن هناك ميزات مازالت في صفه منها مثلا أن الناس يعرفونه ولن يحتاج الى تقديم نفسه من البداية ومنها أن هناك من يتعاطف مع ما ناله من سوء الحظوظ ومنها من يقدر موضوعيا كفايته الادارية ومناقبه السلوكية، كأب حادب ورب أسرة محترم ومن ثم كنموذج سلوكي وقدوة تحتذى (رول موديل كما يقول التعبير الأميركي الشائع) ومنها أن شعار الوطن في خطر وهو أكثر الأوراق السياسية، ربحية في يد الادارة الحالية شعار لا يمكن أن يدوم مفعوله وأن تصعيد منحنى الشد والجذب والتوتر في اهتمامات ونفسيات الناس أمر له نهاية حيث يقتضي الأمر بداهة الى أن يتلفت الناس من حولهم ويحسبوا حسبتهم ويفكروا في أمور الاقتصاد والبيئة والتعليم ومعدلات الجريمة والمنافسة الانتاجية على الصعد الاقليمية والدولية وما الى ذلك من أمور المعاش.. وكلها استحقاقات لا يغني عنها الحديث باستمرار عن مطاردة بن لادن أو مؤازرة شارون أو اقصاء عرفات أو الاطاحة بصدام حسين.. الخ. وفي كل حال فالمعروف أن السيد آل جور لن يتخذ قراره النهائي بشأن دخول سباق رئاسة الولايات المتحدة إلا مع حلول الخريف المقبل (أكتوبر ـ نوفمبر) وان كان قراره بخوض المعركة فلسوف تدور الأمور حسب ما يستجد من تطورات وخاصة على ساحة الاقتصاد وفوائض الميزانية وتحمل الحكومة مسئولياتها إزاء رفه المواطنين وخاصة من الأقليات والفئات المستضعفة في المجتمع الأميركي (الزنوج والهسبان القادمون بالهجرة من أميركا اللاتينية والمرأة والطفل وأرباب المعاشات التقاعدية والمعاقون.... الخ) وانجازات الديمقراطيين في هذا المجال كثيرة بل ومرموقة في بعض الأحيان. لكن تثور المشكلة ـ وهذا ما ينبغي أن يكون محور اهتمامنا في العالم العربي ـ اذا ما قرر السيد آل جور الامتناع عن الترشيح في عام 2004. ـ لماذا تثور المشكلة؟ ـ لأن هناك أوساطا أميركية تطرح اسم السيناتور ليبرمان كمرشح.. «معقول» لمنصب رئيس الولايات المتحدة. السيناتور ليبرمان هو السياسي اليهودي الديانة الذي عمد آل جور الى خطب ود اللوبي اليهودي ـ الصهيوني عندما اختاره للترشيح الى منصب نائب الرئيس في حملة الانتخابات الماضية. ولأن عنصر المناقب والأخلاق والسلوك الحميد مطروح بشدة على اجندات العمل السياسي الراهنة في أميركا، فإن جمهرة من المحللين يعطون درجات عالية للسيناتور ليبرمان في هذا الخصوص.. وحكاية السلوكيات بدأت ـ كما هو بديهي ـ مع مشاكل كلينتون التي ألمحنا اليها وطورها وعمد الى تعميقها أركان الحزب الجمهوري الذين اشتهر عنهم استخدام ورقة الاخلاقيات والسلوكيات وها هي الورقة وقد تداولتها أيدي خصومهم الديمقراطيين. واللهم لا اعتراض على أن تكون الاخلاق والمناقب من بنود الاجندات السياسية بل هي أمر مندوب اليه كما يقول المصطلح الفقهي المعروف. لكن محور القضية من منظورنا العربي هي أن صورة ليبرمان أصبحت في حال من الصقل والتلميع وربما يواجه العرب ـ ومرة أخرى من منظور صراعهم مع اسرائيل ـ بيهودي ملتزم سياسيا يحتل منصب الرئاسة في البيت الأبيض (الحديث هنا لا يتعلق بالديانة أو المعتقد الروحي بحال من الأحوال). في هذا الصدد يلاحظ الكاتب الأميركي جيمس كوك أن ليبرمان خرج من حملة عام 2000 السابقة ب«أكبر» قدر من نقاط التفضيل وب«أقل» قدر من نقاط عدم التفضيل.. والذي يحدث أن ربابنة آلة الدعاية يعملون جاهدين على طرحه ـ بالأدق اعادة اختراعه ـ في صورة السياسي المعتدل بحيث يرضي الجناح الليبرالي ـ التحرري وأحيانا المستنير ذي الأجندة الاجتماعية في الحزب الديمقراطي وخاصة في نيويورك وكاليفورنيا فيما يرضي من جانب آخر الجناح المحافظ أو المتزمت من الديمقراطيين وخاصة في ولايات الجنوب.. والأهم من هذا كله يكسب ود ومؤازرة ماكينة الميديا.. ناهيك عن تأييد ودعم الشارع اليهودي المستند ـ كما هو موروث .. ومحسوس الى قاعدة مؤسسية جيدة التنظيم. من يدفعون بأن أميركا ليست مستعدة بعد لتلقي رئيس.. يهودي.. ألا تراها غير مستعدة لرئيس إيطاليا الأصل تماما كما كانت غير مستريحة في الستينيات إزاء ترشيح رئيس شاب مستنير ومثقف هو جون كينيدي لأنه ينتمي الى المذهب الكاثوليكي في العقيدة المسيحية. وهو مذهب أقلية في التحليل الأخير وهؤلاء يدارون اعتراضهم خلف مقولات من قبيل أن ليبرمان قد لا ينال ترشيح الحزب للمنصب الأول لكونه ارتبط أوثق من اللازم مع جور وقد يدفع ثمن هذا الارتباط مع طرف خاسر.. خاصة وقد صوروا «جور» - والويل للخاسر طبعا ـ بأنه كان يطلع على الناخبين لا في صورة رئيس المستقبل الذي يقود البلاد الى دنيا القرن الحادي والعشرين، ولكن في صورة معلم اللغة الانجليزية في المدرسة الثانوية الذي لا يحب الخريجون بل والخريجات أن يستبعدوه من ذاكرتهم بوصفه فاقدا للدينامية وجاذبية الكاريزما. مع ذلك فبانتظار الرئيس بوش أسماء كثيرة لمنافسين عديدين في جولة عام 2004. في الشهور القليلة المقبلة تطرح هذه الأسماء علنا ورسميا.. ومنذ عطلة رأس السنة 2003 تتبلور معها اتجاهات بورصة الانتخابات الرئاسية حيث ينصبون مهرجانها المعهود كل 4 سنوات.. من هذه الأسماء في معسكر الديمقراطيين زعيم الأقلية في مجلس النواب.. ريتشارد جبهارت الذي يتوقعون تقدمه لنيل ترشيح الحزب اللهم إلا في حالة واحدة هي أن ينال الديمقراطيون أغلبية في مجلس النواب مما يصبح معها السيد جبهارت رئيسا للمجلس ومن ثم زعيم المعارضة في الكونجرس. وعلى الجانب الآخر بالكونجرس.. ثمة مرشح ديمقراطي محتمل هو السيناتور توم داشل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ وهو شخصية يخشاها الجمهوريون الى حد كبير أما الشخصية الوافدة مجددا على مسرح السياسة الأميركية النمرة الواعدة الجديدة كما قد نصفها فاسمها السيناتور «جون كيري» القادم من ولاية ماساشوسيتس ذات الثقل الثقافي والتراثي والرفاه الاقتصادي في آن معا. يصفه الاستاذ تشارلي كوك (في مجلة واشنطن كورترلي عدد الصيف الحالي) قائلا: كيري جدير بأن يحصل على معدلات مرتفعة من درجات النجاح: ذكي وجذاب وحصيف.. ثم فوق هذا كله.. و.. طموح. ونحن نقرأ هذه الأوصاف ونكاد نطبقها على بيل كلينتون ولكن بعد اضافة ميزات أخرى كانت تنقص الرئيس السابق في مقدمتها أن كيري خدم في فيتنام وحصل على أكثر من وسام للشجاعة والاقدام.. أما الميزة الثانية في رأينا فهي أن كيري جدير بأن يتعلم مما لحق برئيسه السابق كلينتون وأن يعي بعمق كافة الدروس المستفادة من عبرة المهانة التي أصابت سمعة كلينتون وسودت صفحات انجازاته وامكاناته، هذا على فرض أن السياسيين يعكفون حقا على استقاء العبر والافادة من الدروس. ـ كاتب سياسي من مصر