من خلال مكالمة هاتفية ابدى أحد القراء هذه الملاحظة التي رصدها بشكل متكرر على احد الشواطئ، والتي ازعجه استمرارها وجعله ، في موقف المتسائل عن سبب غياب الدور الرقابي لبعض الاسر في مجتمعنا المحلي!! يقول القارئ في كل مرة اذهب فيها لممارسة الرياضة على شاطئ البحر بعد صلاة الفجر مباشرة كانت عيناي تقع على بعض الصبية الصغار وهم يفترشون رمال البحر في تلك الساعة المبكرة من الصباح حيث اغلب الناس مازالوا نياماً، وحيث يغيب الاباء عن التواجد مع ابنائهم في مثل هذا المكان في تلك الساعة. ويؤكد القاريء ان هؤلاء الصبية سهروا ليلهم خارج منازلهم يتسكعون في المراكز التجارية او في الاماكن الشبيهة بها، وبعد ان يملّ اولئك الصغار ـ حسب رأي القاريء ـ اللعب في الاماكن العامة ينطلقون الى شاطيء البحر ليكملوا سهرهم الطويل. وهو ما يدل دلالة مؤكدة على ان اولياء أمورهم في سبات عميق. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا ترضى بعض الاسر لابنائها مثل هذه الحياة المنفلتة التي ليس فيها شيء من الرقابة او الاشراف؟ وما هو البديل الذي له من القوة والهيمنة على عقول الاباء والامهات بحيث يصرفهم عن اداء دورهم الطبيعي في رعاية صغارهم وتقديم كافة اشكال الدعم والاهتمام بهم قبل ان يصرفوا اذهانهم تجاه اي شيء آخر؟ ان غياب الرعاية الشاملة لاولئك الصبية الذين تعاطف معهم هذا القاريء يجعلهم يدورون في فلك انفسهم بعد ان غاب عن سمائهم فلك اكبر يدورون حوله، وينجذبون نحوه. وبما ان القرين بالمقارن يقتدي كما يرى الشاعر العربي الحكيم فان مجموعة الاقران التي تتكون منها هذه الصحبة تعبر عن الفراغ الرهيب الذي يملأ نفوسهم، وعقولهم، والذي لم يقدروا بمفردهم ان يتعاملوا معه ويملأوه بما يعود عليهم بالنفع والفائدة. يقيناً لو كان لاولئك الصبية آباء وامهات على درجة كافية من الوعي بخطورة ابتعادهم عن ابنائهم في هذه المرحلة الحرجة، وتسليمهم للشارع والمقهى والبحر والفراغ الذي يستوطن تلك الاماكن، ويستوطن معها عقول مرتاديها، ويشكل مفاهيمهم وقيمهم ومزاجهم الخاص على نحو لا يرضى به منصف، ولا يتمناه مخلص او غيور.. لقد كان الابناء في غنى عن ذلك كله، وكان بالامكان حمايتهم من اخطار الحياة الخارجية لو كان لديهم آباء في موقف افضل من حيث الفهم والتصور والمعرفة. ولكن ما الحيلة واسباب ظهور مثل هذه الحالات والنماذج في المجتمع كثيرة، يقف على رأسها حاجة الاباء انفسهم الى معرفة اولويات التربية الفعالة، وادواتها المرشحة لصياغة شخصية الابناء صياغة ناجحة. ان استمرار ضعف الموقف المعرفي، وسطحية الصورة التي ترتسم في مخيلة الوالدين عن النموذج الجيد الذي يمكنهم ان يقدموه للمجتمع هو احد الاسباب الجوهرية التي تقف وراء ضياع الابناء وانحرافهم. وبعيداً عن الدرجة العلمية التي حصل عليها الابوان فان الوقوف على الحد الادنى من المفاهيم التربوية التي تلامس جوهر الحياة الاسرية ينبغي ان يكون متوفراً لدى الجميع، وبغض النظر عن المؤهل العلمي الذي حصل عليه كل من الاب والام، اذ ليس بالضرورة ان تكون الدرجة العلمية قادرة على تغذية الابوين بالوصفة الصحيحة للتربية المنشودة. نعم... هناك حد ادنى لابد ان يتوفر لجميع الآباء والامهات وهو حق للابناء، ويعني التفريط في الاخذ به، ان يغامر اولياء الامور بمستقبل ابنائهم من خلال سلسلة التجارب التربوية الفاشلة التي سوف تسود في تلك البيئة الاسرية البعيدة عن معرفة المناخ الصحي الذي يناسب حاجة الناشئة ويرتقي بذواتهم، ويمنحهم فرصة حقيقية للنمو النفسي والعقلي في اجواء مواتية وخلاقة. ان يمارس الآباء جهوداً حقيقية في تطوير خبراتهم التربوية هو الخيار الوحيد القادر على انجاح جهودهم في هذا الميدان الفسيح.