حمى توحيد العملات بدأت حرارتها ترتفع مع دخول فصل الصيف في العالم، فقبل أيام اجتمعت لجنة العملة الخليجية الموحدة لمناقشة الاجراءات التنفيذية التي تتطلبها التغييرات المقبلة بعد ان أقرت أن يكون المثبت هو الدولار الأميركي. وعلى المنوال نفسه، توقع مسئول بوزارة المالية اليابانية انه من الممكن ان تتبنى آسيا في نهاية المطاف عملة موحدة مماثلة للعملة الأوروبية الموحدة «اليورو» التي بدأ سوقها الاقتصادي يرتفع أمام الدولار، وقد كان الخوف مصاحباً في بدايات النشأة، وها قد تجاوزت الصدمة الأولى بروح الانتعاش التي تسود أجواء المتعاملين معها. وفي ذات الخط دخلت رئيسة وزراء نيوزيلندا، حيث قالت ان بلادها ليست في عجلة من أمرها فيما يتعلق بتبني عملة موحدة وبورصة أسهم مشتركة مع استراليا، إلا انها ستمضي قدماً في توثيق الروابط الاقتصادية بين البلدين، ومن الممكن أن يكون أداء العملة الاوروبية الموحدة دليلاً استرشادياً بالنسبة لاستراليا ونيوزيلندا. والقضية الحقيقية تتمثل فيما إذا كان اقتصادا البلدين يتمتعان دائماً بنفس المستوى من الأداء، وهل هما عند النقطة نفسها من الدورة الاقتصادية في الوقت نفسه؟ فإذا لم نكن هكذا فما هو حجم السلبيات التي ستلحق بالشريك الأصغر في تلك العملة الموحدة؟. وبريطانيا التي تخلفت عن الركب الاوروبي لوجهة نظر خاصة بها، كذلك لم تتوان عن التصريح بين فينة وأخرى بأنها ستنضم للركب خلال عشر سنوات مقبلة لأنها لن تستطيع أن تعيش بعيداً عن اتحاد الولايات الاوروبية التي من المتوقع ان تقوم خلال مدة لا تقل عن عقد من الزمان، إما باثنتي عشرة دولة أو بخمس وعشرين دولة مضافا اليها بعض دول اوروبا الشرقية. مسألة توحيد العملات أو الدول في المرحلة التالية أصبحت قاب قوسين من أعمارنا أو أدنى من ذلك بكثير، وكل الطروحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتحدث عن المشترك بين الشعوب التي أدركت بأن مصائرها مرتهنة بوحدة المصير والمصلحة التي تقوي من روابطها الداخلية إذا ما رضيت العيش تحت راية دولة اتحادية واحدة جماعية كانت أو ثنائية، المهم ألا تعيش أشتاتاً تنثرها الرياح العاتية أينما اتجهت. وفي العالم العربي الافريقي يدور الحديث حول وحدة أفريقية على غرار الاوروبية، ووحدة مغاربية متباطئة ومتأخرة كلما جاءت الى الصدارة مشكلة البوليساريو في صحرائها التي لا تريد مفارقتها وهلم جرا. ومشاريع عربية اخرى المراد منها التوحّد كعلاج وليس كما هو المرض المعروف في علم النفس الطبي، كالسوق العربية المشتركة والمناطق الحرة والاقتصاد المفتوح على بوابات العرب الواسعة على الآخرين من أهل الغرب والضيقة فيما بينها وغيرها من القضايا العالقة في الأذهان والمستعصية على النزول الى الأرض. بين تلك الأماني الاوروبية الواقعية والخيالات العربية التي تلوح للمرء في دنياه كالسراب لا يكاد يتلمسه حتى يبدأ في الاختفاء.. نريد حلاً عاجلاً ومدروساً في الوقت نفسه للوصول الى مستوى من العمل يحقق لنا درجة من الوفاق يصل الى الفيمتو ثانية العربي الذي رفع زويل الى مصاف العالمية بنا، فمتى اللقاء في كنتونات من الوحدات الصغيرة وان كانت متناثرة هنا أو هناك لبناء جينة سياسية موروثة تعادي العرب جميعاً وتحيلهم الى اتحاد جماعي تصدم كل تخيلاتنا.