وضعت الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة من بين ما وضعت قضية الهجرة العربية والمسلمة إلى الدول الغربية على جدول الاهتمامات الدولية. فقد شرع العديد من هذه الدول، في إعادة النظر في قوانين الهجرة المطبقة حاليا في اتجاه الحد من مخاطر تسلل عناصر تابعة لتنظيم القاعدة أو جماعات محسوبة عليها. كما تسود مخاوف في أجهزة الأمن في تلك الدول من التعرض لهجمات إرهابية تطال بعض المنشآت الحيوية فيها. وهي مخاوف تجد لها ما يبررها في ضوء التهديدات التي أطلقها قادة تنظيم القاعدة، وتعهدوا فيها بالقيام بأعمال إرهابية وفي ضوء الاكتشاف المتزايد لخلايا نائمة وعناصر لها ارتباط بشكل من الأشكال بالقاعدة. ظلال أحداث سبتمبر وحتى وقت قريب كان الوجود العربي والمسلم يعتبر مصدرا للغنى والتنوع الروحي والثقافي في تلك المجتمعات. ويحرص المعنيون فيها على تضمين زيارات المسئولين أو الإعلاميين الأجانب،جولات للتعرف على نشاط الجاليات العربية والمسلمة، باعتبار ذلك دليلاً على قدرة هذه المجتمعات على استيعاب ذلك التنوع من جهة، ومن جهة أخرى على نجاح فكرة الاندماج والتعايش بسلام بين مختلف الأصول العرقية والدينية والاثنية. وأتذكر أنني حين زرت الولايات المتحدة في صيف عام 1997 ضمن برنامج الزائر الدولي الذي تنظمه وكالة الإعلام الأميركية، فإن جدول الزيارة التي استمرت ثلاثة أسابيع وشملت أربع ولايات أميركية، تضمن لقاء مع المسئولين في المجلس الإسلامي الأميركي في واشنطن الذي كان يقوده وقتها الأستاذ عبد الرحمن العمودي. وأتيحت لنا في تلك الزيارة فرصة التعرف على نشاطات المجلس وأوضاع الجالية بصورة عامة وظروف حياتها. وخرجنا بانطباع أن المسلمين يعيشون أوضاعا طبيعية في الولايات المتحدة ويحظى دينهم بنفس الحقوق المتوفرة للأديان الأخرى وهم يساهمون بشكل واسع في جميع مجالات الحياة الأميركية ويحظون بالتفهم من جانب الحكومة الفدرالية. لكن هجمات سبتمبر ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمع الأميركي، وأحيت من جديد الجدل حول الهجرة، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضا داخل الأقلية العربية والمسلمة نفسها. وهناك تساؤلات اليوم تطرح حول ما إذا كان الوجود العربي أو المسلم ( يبلغ عدد المسلمين في الولايات المتحدة من غير السود بين ستة إلى سبعة ملايين بينهم حوالي ثلاثة ملايين عربي) قد استُوعب بصورة كافية في المجتمع الأميركي، وما إذا كان قد تمكن من الاستفادة من الفرص المتاحة له حتى النهاية. وبالمقابل فان العرب والمسلمين بدو أكثر قربا والتصاقا بقضايا أوطانهم الأصلية، كما أن الكثير منهم بدأ يطرح سؤال الهوية بإلحاح. فهل هم عرب ومسلمون قبل أن يكونوا أميركيين أم أنهم عرب ومسلمون وأميركيون في الوقت نفسه، أم أنهم أميركيون في البداية وبعد ذلك عرب ومسلمون؟! وفي الحالات التي تتعارض فيها هذه الهويات، فأي منها ستكون له الغلبة والالتزام. وعلى سبيل المثال هل من الممكن أن يشترك المسلم الأميركي المنخرط في الخدمة العسكرية تحت علم الولايات المتحدة في حرب يكون طرفها دولة عربية أو مسلمة؟ هذه الأسئلة وغيرها تعد جزءا من الجدل المحتدم في أوساط الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة. ويظهر تقرير تلفزيوني بثته قناة الجزيرة الشهر الماضي عن مهرجان للعرب والمسلمين في ديترويت مثالا على هذا النوع من الأسئلة. فقد لوحظ في أحد جنبات المهرجان وجود مكتب للتحقيقات الفدرالي الأميركي، في مهمة معلنة وهي تجنيد العرب الأميركيين في إطار الحرب على الإرهاب. وتناول التقرير أسئلة وجهت لعدد من المشاركين في المهرجان حول ما إذا كانوا يقبلون العمل في هذا الجهاز، فجاءت إجاباتهم كالتالي: أحدهم تقبل الفكرة لكنه اشترط أن يكون الهدف هو فقط مطاردة الجماعات المتطرفة، في حين رفضها اثنان تماما وعدوها بمثابة خيانة أو عار. أما الرابعة فقد قبلت الفكرة قائلة إن ذلك طبيعي، فهي بوصفها مواطنة أميركية تنظر إلى مكتب التحقيقات الفدرالي كمؤسسة وطنية والعمل فيها مثل العمل في أي مؤسسة أخرى. وفي النهاية فان سؤال الهوية المتفجر من المرجح أن يستمر في التفاعل. وسيتطلب من العرب الأميركيين ابتداء من سبتمبر 2001 وصاعدا أن يجيبوا على الكثير من التساؤلات في هذا الإطار مع توقع زيادة إيقاع الحرب الموجهة نحو الإرهاب، وربما تحولها إلى حالة صدام أكبر مع عدد من الدول أو المناطق العربية والإسلامية، سيما في ضوء التهديدات الإرهابية المتزايدة. لكن من زاوية أخرى فان الأسئلة التي طرحتها الهجمات في الولايات المتحدة على المهاجرين العرب والمسلمين في الدول الغربية ، لم تكن في واقع الأمر مصطنعة أو بنت وقتها. من الصحيح أن تلك الهجمات أيقظتها من سباتها وربما جعلتها اكثر حدة وإلحاحا، لكنها لم تخترعها كلية. فالأسئلة حول المهاجرين ومدى قدرتهم على الاندماج والتكيف مع البيئة الجديدة، ومدى قدرة هذه البيئة على استيعاب القادمين الجدد إليها بثقافاتهم وهوياتهم وخلفياتهم الاثنية والدينية المتنوعة، هي نفسها بالنسبة لجميع بقاع الهجرة كما بالنسبة لجميع المهاجرين. ولاء مزدوج إن المعنى الأول للهجرة لا يتضمن فحسب الانتقال المكاني من بقعة جغرافية لأخرى، فهذه الإمكانية باتت متاحة لمعظم البشر تقريبا، لكنه يتضمن بالأساس معنى ثقافيا وحضاريا إن جازت التسمية. فالمهاجر إذ ينتقل من البقعة التي كان فيها إلى وطنه الجديد فهو يهجر في الواقع طريقة الحياة ونمط المعيشة وربما الثقافة أيضا. وضمن هذا الأساس يفترض أنه لا يواجه مشكلة في تحقيق الهدف الذي جاء من أجله. فهو يندمج في البيئة الجديدة ويصبح مواطنا يعنى بقضايا مجتمعه الجديد وتشغله همومه ومشكلاته، كما يستفيد بالمقابل من الفرص والامتيازات التي يوفرها هذا المجتمع لمواطنيه. ومعظم الهجرات الناجحة تنتمي إلى هذا النوع. لكن تحولا جديدا طرأ على الهجرة في العقود القليلة الماضية. فقد أصبحت ذات طابع اقتصادي في الغالب. والمهاجر من هذا النوع يترك بلده، طلبا للرزق وتحسين ظروف المعيشة. وما أن يستقر ويحصل على جنسية وعمل و سكن وخدمات له ولأسرته، حتى ينتهي الهدف من الهجرة بالنسبة إليه. فهو لا يشعر حينها بالانتماء للبلد الذي يعيش فيه، ولا يسعى للاندماج في مجتمعه. إنه ينظر إليه فحسب كمصدر للرزق والخدمات والامتيازات. وبالمقابل فهو يعطي جميع مشاعره واهتمامه وولاءه للبلد أو المنطقة التي جاء منها. إنه يتحول مع الوقت مهاجرا إلى ما لانهاية إذا كان غير قادر على العودة إلى بلده الأصلي أو إلى مجرد مقيم في بلد المهجر. وهذا النوع من المهاجرين، هو لب المشكلة وسبب البلاء. وللأسف فإن معظم المهاجرين العرب والمسلمين للدول الغربية في العقود الأخيرة ينتمون إلى هذا النوع. وما زاد الطين بلة أن الجماعات الأصولية وجدت في التجمعات العربية والمسلمة في بلدان المهجر فريسة سهلة فراحت تخترقها وتبث عبرها شذوذها الفكري وتطلعاتها المريضة وتؤلبها ضد هذه البلدان وأنظمتها «الكافرة»! وبدلا من أن يصبح المهاجرين جسرا لنقل الثقافة والمعرفة وشئون الحضارة الحديثة لبلدانهم الأصلية، أصبحوا ينقلون لبلدان المهجر قضايا بلدانهم ومشكلاتها وتخلفها. وهو الأمر الذي بات يشكل ورطة حقيقية للطرفين (بلدان الهجرة والمهاجرين) لن يكون من السهل الخروج منها دون خسائر، قد تكون باهظة في بعض المناطق. أما وقد وصلنا إلى خاتمة المقال فربما يجدر بي أن أذكر معلومة جديدة اكتشفتها أثارت لدي قدر كبير من الاستغراب. هذه المعلومة أو الحقيقة هي أن معظم السبعة ملايين مسلم الموجودين في أميركا هم في الواقع من السود، وان نسبة المسلمين بين العرب الأميركيين ( وعددهم الكلي حوالي مليونين)لا يزيدون عن 23 في المئة فقط. فحسب التوزيع الديني للعرب الأميركيين هناك 23 في المئة مسلمين والباقي أي 77 في المئة مسيحيين، على النحو التالي: 42 في المئة كاثوليك و23 في المئة أرثوذكس، 12 في المئة بروتستانت و23 في المئة مسلمين. أما توزيعهم حسب البلدان التي قدموا منها فهو كالتالي: 56 في المئة من لبنان، 14 في المئة من سوريا، 11 في المئة من مصر، 9 في المئة من فلسطين، 4 في المئة من الأردن، 2 في المئة من العراق، و4 في المئة من بلدان عربية مختلفة. (المصدر: المعهد العربي الأميركي 2000). وهنا يبرز تساؤل محوري وهو: إذا كانت الغالبية من العرب الأميركيين هي من المسيحيين، فهل يحق للمنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة الحديث باسمهم، كما فعلت وتفعل حتى اليوم؟ ـ كاتب من البحرين