ان ما يمكننا استنتاجه بصورة عامة استناداً على التقرير العالمي للاتصال الذي نشرته اليونسكو سنة 2000 هو ان معدل استعمال وسائل الاتصال، بالنسبة للفرد الواحد في البلدان النامية لم يتطور رغم ارتفاع الحجم الإجمالي تماشياً مع ارتفاع عدد السكان. وان استعمال تكنولوجيا الاتصال الحديثة بقي محدوداً للغاية مقارنة بالنتائج التي سجلتها هذه الوسائل في البلدان المصنعة. والسبب في هذا التفاوت هو ان تكاليف استعمال الراديو والتلفزيون كانت اقل من تكاليف امتلاك الحاسوب وان التفاعل مع الوسائل التقليدية لا يتسوجب مستوى تعليمي ادنى. وقد ادى هذا الاقبال الجماهيري الى تطور صناعة الراديو والتلفزيون بحيث اصبحت البلدان النامية تحتل مرتبة متقدمة في تصدير هذه الوسائل. ومن الطريف الاشارة الى ان البلدان المصدرة الاولى للتلفزيون ترتب كالتالي: المكسيك ـ كوريا الجنوبية ـ ماليزيا ـ اليابان ـ المملكة المتحدة ـ سنغافورة ـ تايلاند ـ فرنسا ـ المانيا واسبانيا. وبطبيعة الامر فإن هذه الاعتبارات الايجابية لا تغطي تفاقم التباين بين الاغنياء والفقراء في مجالات الاتصال الحديثة وفي مقدمتها الحاسوب. ولعل ما يتعين الاشارة اليه في هذا المجال هو ان معدل الاستهلاك العائلي لتكنولوجيا الاتصال الحديثة في البلدان النامية بقي جامداً بالمقارنة مع الدول المصنعة التي ارتفع فيها هذا المعدل بنسبة تقرب كثيراً من معدل الانفاق في مستوى الراديو والتلفزيون والصحافة المكتوبة. كما ان معدل الكثافة الهاتفية بقي ضعيفاً في البلدان النامية رغم ظهور الهاتف الجوال ولا يمثل هذا المعدل اكثر من عشر المعدل المعروف في البلدان المصنعة. وبصورة عامة فإن اجهزة الحاسوب انتشرت بصفة ارفع في البلدان المتقدمة التي كانت تمتلك 70% من المجموع العالمي في سنة 1980 واصبحت تمتلك اليوم 75%، وقد ارتفع هذا العدد بصفة ملحوظة. اما مستعملو الانترنت في العالم فقد بلغ عددهم حسب احصائيات NUA Surveys في اواسط سنة 2001 ما يناهز 513 مليون مستعمل مقابل 16 مليوناً في سنة 1995 ويمثل مستعملو انترنت حالياً 843% من سكان العالم بعد ان كانت هذه النسبة لا تزيد على 032% في سنة 1995. وتتفاوت هذه النسبة من بلد الى اخر اذ بلغت 75% في الدنمارك مقابل 5% في اليونان وبمعدل اوروبي في حدود 37%. اما افريقيا فهي اقل من 05% في جل البلدان باستثناء بلاد جنوب افريقيا التي هي في حدود 5% وبلدان المغرب العربي التي تتراوح بين 5% (تونس) و 05% (موريتانيا). وبصورة عامة فإن عدد مستعملي الانترنت في اميركا الشمالية واوروبا واليابان واستراليا يفوق على 80% من المجموع العالمي واذا ما اضفنا الى هذه البلدان الصين والهند فإن النسبة المتبقية من المستعملين في العالم لن تزيد على 10%. ولكل ذلك يمكن التأكيد بأن الفجوة الاعلامية في معناها الشامل بين الدول النامية والدول المصنعة التي كانت تتفاوت في سنة 1980 بين واحد و 20 اصبحت تتراوح في نهاية القرن العشرين بين واحد وخمسين. لكن الاهم هو ان الفجوة الرقمية لا تفصل اليوم بين عالمين: عالم الشمال وعالم الجنوب، بل اصبحت ذات طابع اقليمي ومحلي. التحديات القطاعية ان التحديات الرقمية المنتظرة ستكون متعددة ومتنوعة حسب القطاعات وسيؤدي التطور التكنولوجي الى قضايا اعلامية جديدة لم نركز عليها بالقدر المطلوب. فنحن نعيش في بداية القرن الحادي والعشرين مرحلة الانتقال من عصر الى اخر لكننا مازلنا في بداية الطريق بحيث لا نشاهد ولا نتلمس الا جانباً محدوداً من ملامح المجتمع الجديد الذي ستفرزه التحولات العالمية. ويحق لنا ان نتساءل عن عمق التغييرات التي ستدخل تكنولوجيا الاعلام والمعلومات على حياتنا وكيف سيكون مستقبلنا؟ ورغم التفاؤل المشترك فإن قوة التكنولوجيا الرقمية قد تكون مصدراً للمخاوف ان لم نأخذ بعين الاعتبار كل المحاذير. ولقد آن الاوان لفتح النقاش بشأن هذه المشكلة والحسم في اختيارات عسيرة تتصل بقضايا مصيرية تجعلنا نتساءل هل ستكون هذه التكنولوجيات الجديدة للاتصال اداة للحد من الفوارق، ام انها ستكون معولاً لتعميق التفاوت ومظاهر الخلل بين الشعوب والمجموعات السكانية؟ ان اوجه التحدي عديدة ومنها: التحدي السياسي وعلاقته بحماية السيادة الوطنية واستقلالية القرار، والتحدي التشريعي ومفهوم حدود القانون الدولي والتحدي الاقتصادي الذي يمكن تلخيصه في صعوبة توفير الاستثمار وتكثيف التصوير والتحدي الاجتماعي والتمثل في التوفيق بين مرونة العمل والتشغيل الكامل والتحدي التربوي وعلاقته بعولمة التعليم والتحدي الثقافي الاخلاقي والتأثير على السلوك. يتجلى مما سبق ان الفجوة الرقمية هي اعمق اليوم مما كانت عليه الهوة الاعلامية التي طالما نددت بها البلدان العربية المنظمات الدولية المعنية وان ردم هذه الفجوة في المستقبل لن يكون بالامر الهين لانها تنخر المجتمعات على اختلاف مستوياتها ومهما كانت درجة نموها. كما ان طمس هذه الهوة لا يتوقف فقط على تذليل العجز العددي بين البلدان الغنية والفقيرة وبين المدن والارياف وبين احياء المدينة ذاتها بقدر ما يتوقف على رفع التحديات الكثيرة المشار اليها. لقد اهتدينا كعرب الى مجموعة من الحلول الملائمة لعدد لا يستهان بها من التحديات والاكيد اننا لن نبخل لوضع نتائج هذه التجارب في متناول الاشقاء والاصدقاء، كما اننا في حاجة للتعاون مع كافة الاطراف لمعالجة تحديات اخرى لم نجد لها الحل الملائم حتى اليوم. وقد اهتمت المنظمات الدولية المعنية بالموضوع وهي تتهيأ لقمة جنيف سنة 2003 ولقمة تونس سنة 2005، وقد بدأت الاستشارات واللقاءات بين ممثلي مختلف الاطراف الفاعلة وفي مقدمتها منظمات المجتمع المدني. لذلك فإنه يتعين علينا كعرب تصور مختلف الحلول الملائمة في المستوى الاقليمي وتجربتها قبل عرضها على مصادقة الملوك والرؤساء في هذين اللقاءين الحاسمين. ـ خبير إعلامي عربي