مرة أخرى نتساءل: ما هو تعريف الارهاب؟ ورغم ان السؤال بات مطروحاً دون اجابة منذ ان أشهر جورج بوش سيفه إيذاناً بانطلاق الحملة الأميركية ضد «الارهاب العالمي» في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، إلا انه الآن طرأت مناسبة جديدة. ففي تشيلي فتح ملف حادثة اغتيال الرئيس سلفادور أليندي في عام 1973. ومن بين كبار الشهود الذين استدعتهم المحكمة العليا التشيلية د. هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الحين. بأي معيار من المعايير الديمقراطية المتفق عليها عالمياً وأي مبدأ من مباديء القانون الدولي، فضلاً عن القانون الاخلاقي، كان اغتيال الرئيس أليندي عملية ارهابية صرفة. فقد تسلم أليندي زمام السلطة نتيجة لمنافسة انتخابية نزيهة في اطار نظام ديمقراطي تعددي. وجرى اغتيال الرئيس في ظروف انقلابية أسفرت عن استيلاء الجنرال أوغستو بينوشيه على السلطة بالقوة العسكرية، ومن ثم خضعت تشيلي لحكم ديكتاتوري لمدى 17 عاماً إلى ان أسقط نظام بينوشيه في عام 1990. ومنذ وقوع الانقلاب قبل 29 عاماً بات معروفاً عبر أدلة دامغة ان وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية كانت وراء تدبيره. ورغم ان المحكمة العليا التشيلية لم توجه بعد أي اتهام الى وكالة الاستخبارات الاميركية، إلا ان من المحتم ان تؤدي التداعيات القانونية للقضية الى فضح الدور الاميركي. والأمر في اجماله لا يخلو من اثارة. منشأ التحقيق القضائي هو مقتل صحفي أميركي سعى الى فضح التورط الأميركي في عملية تدبير الانقلاب وما تبعها من اغتيال الرئيس التشيلي المنتخب. لقد كتب الصحفي تشارلز هورمان تحقيقات ومقالات انتقادية كان يندد فيها بوكالة الاستخبارات الاميركية. كان ذلك في أواخر عام 1973 عقب مقتل الرئيس أليندي. وفي العام التالي اختفى الصحفي هورمان، وعثر عليه بعد عدة شهور مقتولاً بالرصاص في قبر جماعي في المقبرة العامة الواقعة خارج العاصمة التشيلية سانتياغو. وما أثار قضية مقتله الآن هو ان أسرته رفعت دعوى قضائية. من هنا كان صدور استدعاء للدكتور هنري كيسنجر ليجيب أمام المحكمة التشيلية العليا عن 30 سؤالاً على نحو ما أعلن قاضي التحقيق، لإلقاء الضوء على «الدور الذي لعبه» في هذه القضية كوزير لخارجية الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي. ولم يكن مثار دهشة ان كيسنجر تجاهل الاستدعاء تماماً، ولكن القاضي أصدر استدعاء ثانياً قبل بضعة أيام وأمهل الوزير الاميركي الأسبق 40 يوماً للحضور.. وفي حالة تخلفه للمرة الثانية «فسيكون عليه ان يتحمل العواقب المترتبة على ذلك»، وفقاً للمذكرة القانونية التي بعثت بها المحكمة العليا التشيلية الى نظيرتها في الولايات المتحدة. ولا نحتاج الى عناء تفكير لنعرف لماذا يعزف كيسنجر عن الاستجابة لطلب القضاء التشيلي، علماً بأنه استدعي كشاهد لا كمتهم. فلاشك ان وزير الخارجية الأميركي الأسبق الذي خدم في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، يدرك سلفاً ان خضوعه لاستجواب قضائي مطول عبر 30 سؤالاً، عدا الأسئلة الفرعية التي من المحتم ان يفرزها مسار الاستجواب، سوف يؤدي الى ادانة الحكومة الأميركية بممارسة ضرب من ضروب الارهاب.. فسوف يتعين على الوزير الأميركي أن يوضح للمحكمة أولاً ما إذا كانت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية متورطة في مقتل الصحفي الأميركي هورمان، وعلى أي مستوى صدر الأمر الى الوكالة بتدبير وتنفيذ عملية الاغتيال: هل على مستوى الرئيس الاميركي أم على مستوى وزير الخارجية نفسه؟! ومع تداعي مسار التحقيق سوف يجد كيسنجر نفسه في مواجهة اسئلة أخرى أشد حرجاً: لماذا تقرر قتل هورمان أصلاً؟ وما صلة قرار اغتياله بأسرار مقتل الرئيس المنتخب أليندي؟ ولماذا قتل أليندي؟ وهكذا سوف يمضي التحقيق الى ان يسبر الدور الأميركي في تدبير العملية الانقلابية التي أطاحت بنظام الرئيس أليندي. ولنستذكر ان أليندي فاز في الانتخابات الرئاسية على أساس أجندة اشتراكية. وإذا كانت الولايات المتحدة قد ابتدرت اليوم حملة عالمية «لمكافحة الارهاب العالمي» فإن الأجدر بها، عوضاً عن شن حروب خارجية، أن تبدأ بنفسها، فالرباط بين تاريخها القريب وحاضرها في التعامل مع العالم هو النهج الارهابي الثابت الذي لا يوفر حتى الأنظمة الديمقراطية ورؤسائها المنتخبين في اطار التعددية الليبرالية. وقبل حشد الأساطيل الجوية والبحرية والقوات البرية كان يتعين على واشنطن ان تنظر أولاً في المرآة.